وَقَالَ مُفَسِّرُنَا (الْجَلَالُ) : وَمَا صَيَّرْنَا الْقِبْلَةَ لَكَ الْآنَ الْجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا أَوَّلًا وَهِيَ الْكَعْبَةُ إِلَخْ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْأَقَلِّينَ: إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي أَوَّلًا إِلَى الْكَعْبَةِ ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَيَكُونُ النَّسْخُ قَدْ حَصَلَ مَرَّتَيْنِ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِبْلَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ .
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ قَبِيلِ (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (17: 60) فَالرُّؤْيَا لَمْ تَكُنْ بِنَفْسِهَا فِتْنَةً وَإِنَّمَا افْتَتَنَ النَّاسُ إِذْ أُخْبِرُوا بِهَا وَلَمْ يَفْقَهُوا
الْمُرَادَ مِنْهَا ، كَذَلِكَ الْقِبْلَةُ ، لَيْسَ فِي جَعْلِ جِهَةِ كَذَا قِبْلَةً فِتْنَةٌ وَاخْتِبَارٌ لِلنَّاسِ ، وَإِنَّمَا الْفِتْنَةُ فِيمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ صَرْفًا عَنْ قِبْلَةٍ إِلَى غَيْرِهَا . فَالسُّفَهَاءُ وَالْجُهَّالُ الَّذِينَ لَا يَفْقَهُونَ يُنْكِرُونَ هَذَا التَّحْوِيلَ وَيَرَوْنَهُ أَمْرًا إِدًّا ، وَالَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ إِلَى فِقْهِ ذَلِكَ يَرَوْنَهُ أَمْرًا حَكِيمًا جِدًّا ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) فَمَنَحَهُمُ الِاعْتِدَالَ فِي الْفِكْرِ ، وَالْإِدْرَاكَ فِي الْمَيْلِ وَالرَّغْبَةِ . قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ .