(الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ) : يُقَالُ إِنَّ هَذَا خَبَرٌ عَظِيمٌ بِمِنْحَةٍ جَلِيلَةٍ ، وَمِنَّةٌ بِنِعْمَةٍ كَبِيرَةٍ ، فَلِمَ جِيءَ بِهِ مُعْتَرِضًا فِي أَطْوَاءِ الْكَلَامِ عَنِ الْقِبْلَةِ ، وَلَمْ يَجِئِ ابْتِدَاءً أَوْ فِي سِيَاقِ تَعْدَادِ الْآلَاءِ وَالنِّعَمِ ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ الْفِتْنَةَ بِمَسْأَلَةِ الْقِبْلَةِ سَتَكُونُ عَظِيمَةً ، وَأَنْ سَيَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ لِأَنَّهُ غَيَّرَ قِبْلَتَهُ ، وَلَوْ كَانَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمَا نَهَاهُ عَنْهُ ثَانِيًا وَصَرَفَهُ عَنْ قِبْلَةِ الْأَنْبِيَاءِ . وَيَقُولُ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّهُ صَلَّى أَوَّلًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ اسْتِمَالَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَدِهَانًا لَهُمْ ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ وَطَنِهِ وَتَعْظِيمُهُ ، فَعَادَ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ ، فَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي دِينِهِ . وَأَمْثَالُ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ - عَلَى كَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَالِ فِي أَفْكَارِ قَائِلِيهَا - تُؤَثِّرُ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ ، فَالْمُطَمْئِنُّ الرَّاسِخُ فِي الْإِيمَانِ يَحْزَنُ لِشُكُوكِ النَّاسِ وَتَشْكِيكِهِمْ فِي الدِّينِ ، وَالضَّعِيفُ غَيْرُ الْمُتَمَكِّنِ رُبَّمَا يَضْطَرِبُ وَيَتَزَلْزَلُ ; لِذَلِكَ بَدَأَ اللهُ بِإِخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا سَيَكُونُ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنْ إِثَارَةِ رِيَاحِ الشُّبَهِ وَالتَّشْكِيكِ ، وَلَقَّنَهُمُ الْحُجَّةَ ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا فِيهَا مِنَ الْحِكْمَةِ ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَنْزِلَتَهُمْ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ وَهِيَ أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَسَطٌ لَا تَغْلُو فِي شَيْءٍ ، وَلَا تَقِفُ عِنْدَ الظَّوَاهِرِ ،