قال العلامة ابن العثيمين رحمه الله:"والاستطاعة نوعان: استطاعة بالبدن، واستطاعة بالمال، فالاستطاعة بالمال شرط للوجوب، والاستطاعة بالبدن شرط للأداء، فإذا كان الإنسان فقيرًا ليس عنده مال، فإنه لا يجب عليه الحج، إذا كان يحتاج إلى راحلة؛ لأنه لا يستطيع، ولو كان بدنه قويًّا، وإذا كان عنده مال لكن لا يستطيع أن يحُجَّ ببدنه؛ لأنه ضعيف كبير أو مريض مرضًا لا يُرجَى بُرؤه، فإنه يجب عليه أن يُقيم مَن يحُجُّ عنه، فالاستطاعة بالبدن شرط للأداء، والاستطاعة بالمال شرط للوجوب"؛ اهـ.
5 -من معالم التيسير في العادات النهيُ عن الإسراف في المباحات للضرر:
وهذا من عظمة شريعة الإسلام، فليس التيسير في العبادات فقط، بل يتعدَّاها للمباحات، فييسر على الإنسان المؤمن في قضاء حاجاته الطبيعية؛ من المأكل والمشرب وخلافه، دون سرف ومجاوزة الحد؛ حتى لا يتضرَّر البدن، وحفظًا للصحة والمال مما ليس له فيه حاجة؛ كما قال تعالى:"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" [الأعراف: 31] .
ومِن الأحاديث قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بحَسْبِ ابنِ آدم أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلبَه، فإن كان لا محالة، فثُلُثٌ لطعامه، وثُلُث لشرابه، وثُلُث لنَفَسِه ) ) [16] .
قلت: والإسلام يحثُّ على أن يكون الإنسان وسطًا بلا إفراط أو تفريط؛ حتى لا يُهلِك نفسَه، ويُؤذِيَ صحَّتَه، وقد بيَّن ابن القيم رحمه الله هذا المعنى بكلمات حكيمة، قال ما مختصره:"والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسطُ بين طرفَي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضدانِ له: تقصيرٌ ومجاوزة، فالمقتصد قد أخذ بالوسط، وعدَلَ عن الطرفين، قال تعالى:"وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا" [الفرقان: 67] ، وقال تعالى:"وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا" [الإسراء: 29] ، وقال تعالى:"وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" [الأنعام: 141] " [17] ؛ اهـ.