قيل: أما الابتداء بما أنزل إلينا ، فلأنه أول بالإضافة إلينا ، فالناس بعد مجيء محمد - صلى الله عليه وسلم - ، مدعوون إلى الإيمان بما أنزل عليه أولاً جملة وتفصيلاً ، ولا يجب الإيمان بما أنزل من قبل إلا على سبيل الجملة دون التفصيل ، وأما المنزل إلى إسماعيل ومن ذكر معه ، فهو المنزل على إبراهيم ، إذ هم داخلون تحت
شريعته ، وذلك كقولك: ما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ، وأما قوله {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى} فهو على الاستئناف ، وقوله: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ} معطوف عليها وقوله: {مِنْ رَبِّهِمْ} خبره ، فكأنه لما اختلف فيما أنزل عليهما ، وادعى بعض أتباعهما عليهما ما لم ينزل إليهما بين تعالى أن ما أوتيا أي ما خصابه لا ما ادعى عليهما ، وما أوتي النبيون جملة المذكورين وغير المذكورين من ربهم ، أي منزل من ربهم ، ثم قال: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ} ، أي لا يكون بمنزلة اليهود الدين آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
إن قيل: لم قال: بين أحد منهم ، ولفظ أحد وإن كان قد يعمم به فِي النفي فهو متناول للواحد ، ولو قال بينهم لكان أوجز ؟ قيل: لما كان القصد إلى أن نبين أن لا نفرق بين واحد واحد ذكر لفظ أحد فكأنه قال: لا نفرق بين أحد وجماعتهما أي لا يخرج واحد من حكمهم ، فكان لفظا أحد أدل على المعنى المقصود ، ثم بين بقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} إنا مسلمون له إسلام إبراهيم عليه السلام..
قوله - عز وجل -:
{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
الآية (137) - سورة البقرة.
الشقاق المنازعة ، يقال: شق العصا ، أي فارق الجمع ، وشاق القوم صار كل نفر فِي شق ، وشاقوا الله أي صاروا فِي شق غير شق أوليائه ، وعلى ذلك: {يُحَادُّونَ اللَّهَ} أي صاروا فِي حد غير حده..