{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} الآية (128) - سورة البقرة.
النسك: غاية العبادة ، والناسك الأخذ نفسه ببلوغ قاصيتها حسب طاقته ، وسمي أعمال الحج المناسك ثم خص الذبيحة بالنسك وتعورف فيه حتى قيل نسك فلان أي ذبح وقيل للذبيحة نسيكة ولم يعن بالمسلم ههنا من حقن دمه بالشهادتين ، كما ظن بعضهم وقال هذا دعاء بما علم كونه لهما لا محالة ، وإنما عنى من ليس فِي فلبه تعظيم الله معه ، وهو المعنى بالمضروب له المثل فِي قوله: {وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ} وبقوله: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} وقوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} وهذه قاصية الإيمان ، ونبه تعالى بالآية أن من حق الإنسان أن يكون مع تحري الحق لا ينفك من التضرع إلى الله - عز وجل - بإرشاده وتوفيقه ، ومن طلب أن يتوب عليه من ذنب عسى إن كان منه وهو غافل عنه
فإن قيل: ولم قيد ؟ فقال: (ومن ذريتنا ، أمة مسلمة لك) ولم يعمم ؟ قيل إن هذه منزلة شريفة لا يكاد يتخصص بها إلا الواحد فالواحد فِي برهة بعد برهة ، وعلم أن الحكمة الإلاهية لا تقتضي ذلك ، فإنه لو جعل الناس كلهم كذلك لما تمشى أمر العالم إذ كان العالم يفتقر إلى كون أفاضل فيها وأوساط وأراذل لتولي عمارته والقيام بتمشية أموره فقد قيل: عمارة الدنيا بثلاثة أشياء ، أحدها الزراعة والغرس ، والثاني: فِي الحماية والحرب ، والثالث جلب الأشياء من مصر إلى مصر ، وأنبياء الله لا يصلحون لذلك إذ كانوا بغرض أخر أشرف من ذلك ولهذا قيل:"لولا الحمقى لخربت الدنيا"وإنما عني بالحمقى المعنيون بأمر الدنيا بإضافته إلى المعنيين بأمر الآخرة ، ولذلك قال {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}
قوله - عز وجل -: