فكيف لهم أن يلتبسوا بمنعها من ذكر الله والسعي فِي تخريبها ، إذ هي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه {يسبح له فيها بالغدوّ والآصال} ؟ وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم بذكر الله فيه ، ويسعى فِي عمارته ، ولا يدخله الإنسان إلا وجلاً خائفاً ، إذ هو بيت الله أمر بالمثول فيه بين يديه للعبادة.
ونظير الآية أن يقول: ومن أظلم ممن قتل ولياً لله تعالى ؟ ما كان له أن يلقاه إلا معظماً له مكرّماً أي هذه حالة من يلقى ولياً لله ، لا أن يباشره بالقتل.
ففي ذلك تقبيح عظيم على ما وقع منه ، إذ كان ينبغي أن يقع ضده ، وهو التبجيل والتعظيم.
ولما لم يقع هذا المعنى الذي ذكرناه للمفسرين ، اختلفوا فِي الآية على تلك الأقوال التي ذكرناها عنهم.
ولو أريد ما ذكروه ، لكان اللفظ: أولئك ما يدخلونها إلا خائفين ، ولم يأت بلفظ: ما كان لهم ، الدالة على نفي الابتغاء.
وقيل المعنى: ما كان لهم فِي حكم الله ، يعني أن الله قد حكم وكتب فِي اللوح المحفوظ أنه ينصر المؤمنين ويقوّيهم حتى لا يدخل المساجد الكفار إلا خائفين.
قال بعض الناس: وفيها دلالة على جواز دخول الكفار المساجد على صفة الخوف ، وليس كما قال ، إذ قد ذكرنا ما دلّ عليه ظاهر الآية.
وقيل فِي قوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها} : أن لفظه لفظ الخبر ، ومعناه الأمر لنا بأن نخيفهم ، وإنما ذهب إلى ذلك لأن الله تعالى قد أخبر أنهم سيدخلون بيت المقدس على سبيل القهر والغلبة بقوله:
{فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً} ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن ذا السويقتين من الحبشة يهدم الكعبة حجراً حجراً.
فلما رأى أن هذا يعارض الآية ، إذا جعلناها خبراً لفظاً ، ومعنى حملها على الأمر ودلالتها على الأمر لنا بالإخافة لهم بعيدة جداً ، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه ، بطلت هذه الأقوال.