فصل
قال الفخر:
واعلم أنا لما فسرنا قوله: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} بالإخلاص فلنذكر ههنا حقيقة الإخلاص وذلك لا يمكن بيانه إلا فِي مسائل:
المسألة الأولى:
في فضل النية قال عليه الصلاة والسلام:"إنما الأعمال بالنيات"وقال:"إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم"وفي الإسرائيليات أن رجلاً مر بكثبان من رمل فِي مجاعة فقال فِي نفسه: لو كان هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له: إن الله قبل صدقتك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به.
المسألة الثانية:
الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له فِي فعل من الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر فِي قلبه ميل وطلب، وهو صفة تقتضي ترجيح وجود ذلك الشيء على عدمه، وهي الإرادة فهذه الإرادة هي النية والباعث له على تلك النية ذلك العلم أو الاعتقاد أو الظن، إذا عرفت هذا فنقول: الباعث على الفعل إما أن يكون أمراً واحداً، وإما أن يكون أمرين، وعلى التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلاً بالبعث، أو لا يكون واحد منهما مستقلاً بذلك، أو يكون أحدهما مستقلاً بذلك دون الآخر، فهذه أقسام أربعة.
الأول: أن يكون الباعث واحداً وهو كما إذا هجم على الإنسان سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما فِي الهرب من النفع وما فِي ترك الهرب من الضرر، فهذه النية تسمى خالصة، ويسمى العمل بموجبها إخلاصاً.
الثاني: أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان، كما إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقاً له، وكونه فقيراً، مع كون كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء، واسم هذا موافقة الباعث.
الثالث: أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد، لكن المجموع مستقل، واسم هذا مشاركة.