وفي الشر نجاةٌ حي ... ن لا ينجيك إحسانُ
حدثنا أبو مسهر عن أبيه عن خالد بن عمرو الكلبيّ قال: كنا مع أبي برْزة الأسلمشِّ في غزاة، فكان منا رجل يمتار لنا الميرة ويقوم بحوائجنا، فإذا أقبل قلنا: جزاك الله خيرا. فغضب لدعائنا، فشكونا ذلك إلى أبي برزة، فقال أبو برزة: كنا نسمع أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر، فاقلبوا له. فكنا نقول له إذا أتانا بالحوائج: جزاك الله شرّاً وعرّاً، فيضحك لذلك.
وأنشدني رجلٌ عن بعض الأعراب:
أرى الحلم في بعض المواطن ذلّةً ... وفي بعضها عزّاً يُشرَّف فاعله
إذا أنت لم تدفع بحلمك جاهلاً ... سفيهاً ولم تقرنْ به من يُجاهله
لبست له ثوب المذلّة صاغراً ... فأصبح قد أودى بحقِّك باطله
فأبق على جُهال قومك إنه ... لكلِّ حليمٍ موطنٌ هو جاهله
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"استوصوا بالغوغاء خيراً، فإنهم يطفئون الحريق، ويسُدُّون البثوق".
وقال أبو سلمى في الجاهلية:
لا بدَّ للسُّودد من رماح ... ومن عديد يُتَّقى بالراح
ومن كلابٍ جمّة النُّباح
وقال مسلم بن الوليد:
حلفتُ لئن لم تلقني سفهاؤها ... خُزاعة والحيَّان عوفٌ وأسلمُ
لأرتجعنَّ الودَّ بيني وبينها ... بقافيةٍ تفري العروق فتحسمُ
من اللاء لا يرجعن إلا شوارداً ... لهنَّ بأفواه الرجال تهمْهمُ
أصابوا حليماً فاستعدُّوا بجاهل ... إذا الحلم لم يمنعك فالجهل أحزمُ
ولم نستقص الأبواب كلها بالمعارضة في هذا الكتاب، ولو استقصينا
لطالت بنا الأيام وتراخت الليالي إلى بلوغ الغاية في تمام الكتاب. وإنما ذكرنا من كل باب عرض فيه ما دلّ على معناه الذي إليه قُصد.
ولم نر الحسد أمر به أحدٌ من العرب والعجم في حالٍ من الأحوال، ولا ندب إليه ونبَّه عليه. وقد نُبِّه على العداوة وفُصِّل بين أحوالها بما قد بيَّنَّاه، فظهر فضلها على الحسد بذلك.
وكنت امرأً قليل الحساد حتى اعتصمتُ بعروتك، واستمسكت بحبلك واستذريت في ظلّك، فتراكم على الحساد وازدحموا، ورموني بسهامهم من كل أوبٍ وأفق، وتتايعوا عليَّ تتايع الدَّثْر على مشتار العسل. ولئن كثروا لقد كثر بهبوب ريحك إخواني، وبنضرة أيامك وزهرة دولتك خُلاَّني. وأنا كما قلت: