فلو شئت أدلى فيكما غير واحد ... كلانيةً أو قال ذلك في سرِّ
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلجَّ فيستشري
ومن هذا سرق العتابيُّ المعنى حيث يقول:
إنْ كنت لا تحذر شتْمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل
فاخش سكوتي سامعاً ضاحكاً ... فيك لمشنوعٍ من القائل
مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدرٍ سائل
ومن دعا الناس إلى ذمِّه ... ذمُّوه بالحق وبالباطل
وسئل القاسم بن معن عن ابن أبي ليلى، فقلَّب كفَّيه وقال:
من الناس من يخفي أبوه وجدُّه ... وجدُّ أبي ليلى لكالبدر ظاهر
فلم تثبت عليه به حجةٌ في ذمٍّ له ولا مدح. وقد بلغ ما أراد.
وسئل يوماً عن علمه فقال: أوعوه وطْباً، فإن كان محضاً أو مشوباً أظهره الوطب وما خضوه.
فإنْ قدح - جعلني الله فداك - بالحسد قادحٌ فيما أؤلفه من كتابي لك، وسبق إلى وهمك شكٌّ فيه، أعلمتني النكتة التي قدح فيها، ثم قابله بجوابي، فإني أرجو ألا تحتاج إلى حاكمٍ عند تجاثي القولين بين يديك، لعلو الحقعلى الباطل، ودموغه إياه.
والحسد أذلُّ نفساً من أن يُجاثي أحداً، والعداوة إنما قدِّمت عليه لأنها عزيزةٌ منيعة.
ويقال: الحسد لا يبدو إلا في العين وعلى اللسان المقصور عند أهله المؤتلفين على ... والعداوة تبدو وتنجم قرونها وينبسط لسانها عند الموافقين له والمخالفين عليه.
وسئل خالد بن صفوان عن شبيب بن شيبة فقال: ذاك امرؤ سيط بالحسد وجُبِل عليه، فليس له أخٌ في السر ولا عدوٌّ في العلانية.
وسئل العتَّابي عن أهل بغداد فقال: حسادٌ، إخوان العلانية، وأعداء السريرة، يعطونك الكلّ ويمنعونك القُلّ.
ومما يدلُّك على أن الحسد أخسُّ وأغبن من العداوة، أنّ الملل كلها ذمَّتْه وعابته. ولا نعلم أنّ شاذّاً من الشواذِّ، وشارداً من الشُّرَّاد، فضْلاً عن جيل من الأجيال، أمر بالحسد؛ كما قيل:"عاد من عاداك، وقارعْ بالعداوة أهلها". ثم عظم شأن العداوة عندهم، وجلَّ قدرها لديهم، حتى اختلفوا في وجوه العمل فيها؛ فمنهم من أمر بها على الحزم والعقل.