وفي هذه الآية حكاية لدعواهم الباطلة: أن الذي يعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هم بشر, لكن بطلان هذه الدعوى وكذبها وخطأها - هو أيضًا - واضح شديد الوضوح, فإن الذي ينسبون إليه أنه هو الذي يُعلِّم النبي - صلى الله عليه وسلم - أعجمي اللسان, والقرآن الذي يزعمون أنه من تعليم هذا الأعجمي عربي اللسان, بل هو عربي مبين: في بلاغة, وقوة, وإعجاز. فكيف يصدر مثله عن مثل ذلك الأعجمي؟.
وإنهم ليكذبون بما تدل عليه آيات الكتاب الحكيم: من حجج على وجود الله، وعلى علمه، وعلى قدرته، وعلى أنه المنزل لكتابه: الناسخ والمنسوخ منه وغيره، فكيف يهتدون؟ وكيف ينجون من العذاب الأليم؟ على أن الذي يكذب على الله ليس هو محمدًا وأصحابه الذين آمنوا به، وإنما يكذب ويفتري ويختلق على الله: من ينكر وحدانية الله ولا يؤمن بآياته، من يكفر بالله ولا يطمئن قلبه بالإيمان، من استحب الحياة الدنيا لزخرفها الباطل وغرورها وخداعها، فآثرها لهذا السبب على الآخرة.
فهم الذين افتروا ويفترون على الله إذن؛ بإنكارهم للنسخ، وبادعائهم أن محمدًا يفتري على ربه، وبزعمهم أنه إنما يعلمه بشر، أما محمد فلم يفتر على الله شيئًا، وما كان ليفتري وهو الصادق الأمين.
الشبهة الحادية عشرة: قالوا: إن النسخ يدل على وجود التحريف والتبديل في القرآن وأنه لم يحفظ؛ بل حصل فيه كثير من التغيير.
فقد ثبت أن كثيرًا من الآيات المنسوخة كانت تتلى بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مثل حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِن الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ.
والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: النسخ موجود في الشرائع السابقة؛ فمن طعن في القرآن من هذا الباب فهو يطعن في جميع الشرائع المنزلة.