ثالثها: أن جواز نسخ الشريعة الإسلامية إن لزمنا معاشر القائلين بالنسخ فإنه يلزمنا على اعتبار أنه احتمال عقلي لا شرعي بدليل أننا نتكلم في الجواز العقلي لا الشرعي، أما نسخ الشريعة الإسلامية بغيرها من الناحية الشرعية فهو من المحالات الظاهرة؛ لتضافر الأدلة على أن الإسلام دين عام خالد ولا يضير المحال في حكم الشرع أن يكون من قبيل الجائز في حكم العقل.
الشبهة السادسة: يقولون إن النسخ يستلزم اجتماع الضدين، واجتماعهما محال.
وبيان ذلك أن الأمر بالشيء يقتضي أنه حسن وطاعة ومحبوب لله، والنهي عنه يقتضي أنه قبيح ومعصية ومكروه له تعالى، فلو أمر الله بالشيء ثم نهى عنه، أو نهى عن الشيء ثم أمر به لاجتمعت هذه الصفات المتضادة في الفعل الواحد الذي تعلق به الأمر والنهي.
والجواب عن هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة.
قال ابن حزم: إن منكري النسخ قالوا: ليس من الحكمة أن يأمر الله تعالى بشيء أمس ثم ينهى عن مثله اليوم، وهذا من نظائر قول أصحابنا بالعلل، وهؤلاء قوم يتعقبون على ربهم تعالى، فيقال لهم: أخبرونا أي حكمة وجبت عليه تعالى أن يأمر أمس بما أمر به؟ أترى لو لم يأمر تعالى بما أمر به لكانت تبطل حكمته؟ أو لو أمر بغير ما أمر به لكانت تبطل حكمته؟ أو ترون إذ قدس الأرض المقدسة، ولعن أريحا، ولعن أورشليم أكان ذلك مفسدا لحكمته؟ وإذ حظر العمل في السبت وأباحه في الأحد، أرأيتم لو عكس الأمر أكان ذلك مبطلا لحكمته؟ فإن راموا فرقًا بين شيء من ذلك لحقوا بالمجانين، وجاهروا بما لا يفهم وبما يعلم بطلانه.