قال ابن حزم: ما الفرق بين أن يأمرنا الله بشيء في وقت ما، ويبينه لنا، ويعلمنا أنه إذا أتى وقت كذا وجب الانتقال إلى شيء آخر، وبين أن يأمرنا ولا يعلمنا أنه سينقلنا إلى شيء آخر؟ وهذا ما لا سبيل إلى وجود فرق فيه أبدا لذي تمييز وعقل؛ لأنه ليس لنا على الله تعالى شرط، ولا عليه أن يطلعنا على علمه، ولا يتقمن (2) مسارنا، ولا أن يأخذ آراءنا في شيء، ومدَّعِي هذا ملحد في دين الله - عز وجل -، كافر به، مفتر عليه، وقد نص تعالى على ذلك بقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255] وبقوله - عز وجل: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26، 27] .
الوجه الثاني: النسخ مبنيٌّ على حكمةٍ يعلمها الله سبحانه وتعالى.
قال الزرقاني: إن نسخ الله تعالى ما شاء من أحكامه مبني على حكمة كانت معلومة له أولًا، ظاهرة لم تخف عليه ولن تخفى عليه أبدًا؛ غاية الأمر أن مصالح العباد تتجدد بتجدد الأزمان وتختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وأسراره وحكمه سبحانه لا تتناهى، ولا يحيط بها سواه. فإذا نسخ حكما بحكم، لم يخل هذا الحكم الثاني من حكمة جديدة غير حكمة الحكم الأول هي مصلحة جديدة للعباد في الحكم الجديد، أو هي غير تلك؛ وسبحان من أحاط بكل شي علما. وإذن فلا يستلزم نسخ الله لأحكامه بداءً ولا عبثًا.