والمقصد من قوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} إظهار منتهى الحكمة والرد عليهم بأنهم لا يهمهم أن تنسخ شريعة بشريعة أو حكم فِي شريعة بحكم آخر ولا يقدح ذلك فِي علم الله تعالى ولا فِي حكمته ولا ربوبيته لأنه ما نسخ شرعاً أو حكماً ولا تركه إلا وهو قد عوض الناس ما هو أنفع لهم منه حينئذ أو ما هو مثله من حيث الوقت والحال ، وما أخر حكماً فِي زمن ثم أظهره بعد ذلك إلا وقد عوض الناس فِي إبان تأخيره ما يسد مسده بحسب أحوالهم ، وذلك مظهر الربوبية فإنه يرب الخلق ويحملهم على مصالحهم مع الرفق بهم والرحمة ، ومراد الله تعالى فِي تلك الأزمنة والأحوال كلها واحد وهو حفظ نظام العالم وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم أحوالهم من الاختلال بحسب العصور والأمم والأحوال إلى أن جاء بالشريعة الخاتمة وهي مراد الله تعالى من الناس ولذلك قال:
{إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] وقال أيضاً: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} [الشورى: 13] الآية.
والظاهر أن الإتيان بخير أو بمثل راجع إلى كل من النسخ والإنساء فيكون الإتيان بخير من المنسوخة أو المنساة أو بمثلها وليس الكلام من اللف والنشر.
فقوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} هو إما إتيان تعويض أو إتيان تعزيز.
وتوزيع هذا الضابط على الصور المتقدمة غير عزيز.
والمعنى أنا لم نترك الخلق فِي وقت سدى ، وأن ليس فِي النسخ ما يتوهم منه البداء.
وفي الآية إيجاز بديع فِي التقسيم قد جمع هاته الصور التي سمعتموها وصوراً تنشق منها لا أسألكموها لأنه ما فرضت منها صورة بعد هذا إلا عرفتموها.