السابعة: المنسوخ عند أئمتنا أهل السُّنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله ؛ كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدّم زائل.
والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم فِي أن الأوامر مرادة ، وأن الحس صفة نفسيّة للحسن ، ومراد الله حَسَن ؛ وهذا قد أبطله علماؤنا فِي كتبهم.
الثامنة: اختلف علماؤنا فِي الأخبار هل يدخلها النسخ ؛ فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي ، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى.
وقيل: إن الخبر إذا تضمّن حكماً شرعياً جاز نسخه ؛ كقوله تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} [النحل: 67] .
وهناك يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى.
التاسعة: التخصيص من العموم يُوهِم أنه نسخ وليس به ؛ لأن المخصّص لم يتناوله العموم قطّ ، ولو ثبت تناول العموم لشيء مّا ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخاً لا تخصيصاً ؛ والمتقدّمون يطلقون على التخصيص نسخاً تَوَسُّعاً ومجازاً.
العاشرة: اعلم أنه قد يرد فِي الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق ؛ ويرِد تقييدها فِي موضع آخر فيرتفع ذلك الإطلاق ؛ كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] .
فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داعٍ على كل حال ؛ لكن قد جاء ما قيّده فِي موضع آخر ؛ كقوله:
{فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} [الأنعام: 41] .
فقد يظنّ من لا بصيرة عنده أن هذا من باب النسخ فِي الأخبار وليس كذلك ، بل هو من باب الإطلاق والتقييد.
وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان فِي موضعها إن شاء الله تعالى.
الحادية عشرة: قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: جائز نسخ الأثقل إلى الأخف ؛ كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين.