والمعنى الثالث أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته فالنسخ أيضاً ، على هذا رفع التلاوة والحكم.
والمعنى الرابع أو نتركها غير منسوخة الحكم ولا التلاوة ، فالنسخ على هذا المعنى هو على جميع وجوهه ، ويجيء الضميران فِي {منها أو مثلها} عائدين على المنسوخة فقط ، وكان الكلام إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها.
وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي فِي الترك ، أولها ما ننسخ أو نؤخر إنزاله ، والثاني ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته ، والثالث ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه ، والرابع ما ننسخ أو نؤخره مثبتاً لا ننسخه ، ويعود الضميران كما ذكرنا فِي الترك ، وبعض هذه المعاني أقوى من بعض ، لكن ذكرنا جميعها لأنها تحتمل ، وقد قال"جميعها"العلماء إما نصاً وإما إشارة فكملناها.
وقال الزجاج: إن القراءة"أو نُنْسِها"بضم النون وسكون الثانية وكسر السين لا يتوجه فيها معنى الترك لأنه لا يقال أنسأ بمعنى ترك ، وقال أبو علي وغيره: ذلك متجه لأنه بمعنى نجعلك تتركها ، وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر ، وقال: إن هذا لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ولا نسي قرآناً ، وقال أبو علي وغيره: ذلك جائز وقد وقع ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بتنسئة ، واحتج الزجاج بقوله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} [الإسراء: 86] ، أي لم نفعل ، قال أبو علي معناه لم نذهب بالجميع.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: على معنى إزالة النعمة كما توعد ، وقد حكى الطبري القول عن أقدم من الزجاج ، ورد عليه ، والصحيح فِي هذا أن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله ، تعالى أن ينساه ولم يرد أن يثبت قرآناً جائز.