فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 4464 من 466147

وعلى أنا لم نعرف بليغاً من البلغاء تعاطى الكلام فِي باب الشرع وتقرير النظر وتبيين الأحكام ونصبِ الأدلة وإقامة الأصول والاحتجاج لها والرد على خلافها ، إلا جاء بكلام نازل عن طبقة كلامه فِي غير هذه الأبواب ؛ وأنت قد تصيب له فِي غيرها اللفظ الحر ، والأسلوب الرائع ، والصنعة المحكم والبيان العجيب ، والمعرضَ الحسنَ ، فإذا صرت إلى ضروب من تلك

المعاني ، وقعت ثمةَ على شيء كثير من اللفظ المستكرهِ ، والمعنى المستغلق والسياق المضطرب ، والأسلوب المتهافت والعبارات المتبذَّلة ، وعلى النشاط متخاذلاً والعرى محلولة ،

والوثيقة واهنة ، وتبينتَ كلاماً لا تطمئن إليه فِي أكثر جهاته حتى لتعجب أن صاحبه وصاحب

ذلك الكلام رجل واحد .

وإنما وقع للبلغاء هذا النقص من جهة التركيب ، إذ ليس فِي كلامهم روح كروح النظم فِي القرآن ولا هذه الروح مما تُطوعه قُوى الخلق ؛ فلما صاروا إلى الوضع الذي تضعف مادته اللغوية

من الحقيقة والمجاز وما إليها ، صاروا إلى الضعف الذي لا قِبلَ لهم به ولا حيلة لهم فيه إلا مداورة الكلام وتعريض العبارة وتشقيق المعنى ، فذهبوا إلى الخلق والتهافت وتصدير القول بالرقع من ههنا وههنا ، فحيث أصبت كلمة رائعة أصبتَ منها رُقعة ، وكان ما اتفق لهم من هذه الصنعة في

تحسين الكلام دليلاً على قبحه ؛ وكان قبحاً جديداً .

وإنك لتحارُ إذا تأملت تركيب القرآن ونظمَ كلماته فِي الوجوه المختلفة التي يتصرف فيها ؛ وتعقد بك العبارة إذا أنتَ حاولت أن تمضي فِي وصفه حتى لا ترى فِي اللغة كلها أدل على غرضك وأجمعَ لما فِي نفسك وأبينَ لهذه الحقيقة ، غير كلمة الإعجاز .

وما عسى أن تقول فِي كلام ترى للفظ من الألفاظ فيه معنى ؛ ثم ترى كأن لهذا المعنى فِي التركيب معنى آخر ، هو الذي يفيض على النفس ويتصل بها فكأنه كلام مداخل وكأن اللغة فيه لغتان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت