وعلى أنا لم نعرف بليغاً من البلغاء تعاطى الكلام فِي باب الشرع وتقرير النظر وتبيين الأحكام ونصبِ الأدلة وإقامة الأصول والاحتجاج لها والرد على خلافها ، إلا جاء بكلام نازل عن طبقة كلامه فِي غير هذه الأبواب ؛ وأنت قد تصيب له فِي غيرها اللفظ الحر ، والأسلوب الرائع ، والصنعة المحكم والبيان العجيب ، والمعرضَ الحسنَ ، فإذا صرت إلى ضروب من تلك
المعاني ، وقعت ثمةَ على شيء كثير من اللفظ المستكرهِ ، والمعنى المستغلق والسياق المضطرب ، والأسلوب المتهافت والعبارات المتبذَّلة ، وعلى النشاط متخاذلاً والعرى محلولة ،
والوثيقة واهنة ، وتبينتَ كلاماً لا تطمئن إليه فِي أكثر جهاته حتى لتعجب أن صاحبه وصاحب
ذلك الكلام رجل واحد .
وإنما وقع للبلغاء هذا النقص من جهة التركيب ، إذ ليس فِي كلامهم روح كروح النظم فِي القرآن ولا هذه الروح مما تُطوعه قُوى الخلق ؛ فلما صاروا إلى الوضع الذي تضعف مادته اللغوية
من الحقيقة والمجاز وما إليها ، صاروا إلى الضعف الذي لا قِبلَ لهم به ولا حيلة لهم فيه إلا مداورة الكلام وتعريض العبارة وتشقيق المعنى ، فذهبوا إلى الخلق والتهافت وتصدير القول بالرقع من ههنا وههنا ، فحيث أصبت كلمة رائعة أصبتَ منها رُقعة ، وكان ما اتفق لهم من هذه الصنعة في
تحسين الكلام دليلاً على قبحه ؛ وكان قبحاً جديداً .
وإنك لتحارُ إذا تأملت تركيب القرآن ونظمَ كلماته فِي الوجوه المختلفة التي يتصرف فيها ؛ وتعقد بك العبارة إذا أنتَ حاولت أن تمضي فِي وصفه حتى لا ترى فِي اللغة كلها أدل على غرضك وأجمعَ لما فِي نفسك وأبينَ لهذه الحقيقة ، غير كلمة الإعجاز .
وما عسى أن تقول فِي كلام ترى للفظ من الألفاظ فيه معنى ؛ ثم ترى كأن لهذا المعنى فِي التركيب معنى آخر ، هو الذي يفيض على النفس ويتصل بها فكأنه كلام مداخل وكأن اللغة فيه لغتان .