وقد ينسى أحدهم الآية من القرآن فينقطع إلى الصمت من قراءته ، أو تتدخل فِي لفظه بعض الآيات المتشابهة فِي السور ، أو يسقط بعض اللفظ فِي تلاوته فيضل فِي ذلك ، ثم لا ييسره للذكر ، ولا يذكره بالآية المنسية أكثر ما يتذكر ، إلا نسقُ الحروف فِي بعض كلماتها ، ولا يبين له مواقع
الكلِم المتشابهاتِ ، إلا نظام كل كلمة من آيتها ، ولا يهديه إلى ما أسقطه من اللفظ غير إحساسه باضطراب النظم وتخلخل الكلام ، ولقد كان ذلك أكبر ما كنا نستعين به أيام الحداثة على اتقاء
الغلط والمداخلة والسهو ، وكنا نفزع إليه إذا جلسنا بين يدي فقيهنا - رحمه الله - مجلس القراءة (والتسميع) . وقد عرفنا أن تأذِّي سمعهِ مقرون بأذى عصاه . . وكم تواصفنا مع أذكياء الصبيان في
(الكُتَّاب) فما رأينا منهم إلا من ادخر لمحنتهِ من ذلك أشياء .
لا جرم كان القرآن فِي نظمه وتركيبه على الأصل الذي أومأنا إليه: نمطاً واحداً فِي القوة والإبداع ، ولا تقع منه على لفط واحد يُخل بطريقته ، ما دامت تنعطف على جوانب هذا الكلام
الإلهي وما دام فِي موضعه من النظم والسياق فإذا أنت حرَّفت ألفاظه من مواضعها ، أو أخرجتها
من أماكنها ، وأزلتها عن روابطها حَصَلت معك ألفاظ كغيرها بما يدور فِي الألسنة ويجري فِي الاستعمال ، ورأيتها - وهي فِي الحالين لغة واحدة - كأنما خرجت من لغة إلى لغة ، لجد ما كانت
فيه مما صارت إليه ، بيد أنك إذا تعرفت ألفاظ اللغة على هذا الوجه فِي كلام عربي غير القرآن ،
أصبت أمراً بالخلاف ، ورأيت لكل لفظة روحاً فِي تركيبها من الكلام فإذا أفردْتها وجدتها قريبة مما كانت ، لأنها هي نفسها التي كانت من روح التركيب ، ولم يكن لهذا التركيب فِي جملته روح خاصة بالنسق والنظم ، فعلى كل لفظة معنى فِي الجملة كما أعطتها اللغة معنى فِي الإفراد ، حتى