دفعتها عن ماء هي إليه ، ولا يرى ذلك كله إلا سواءَ وغاية فِي الروح والنظم والصفة الحسية ، لا يغتمص فِي هذا إلا كاذب على دِخلة ونية ، ولا يُهجن منه إلا أحمق على جهل وغرارة ، ولا يمتري فيه بعد هذين إلا عامى أو أعجمي . . (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(59) .
إن طريقة نظم القرآن تجري على استواء واحد فِي تركيب الحروف باعتبار من أصواتها ومخارجها ، وفي التمكين للمعنى بحس الكلمة وصفتِها ، ثم الافتنان فيه بوضعها من الكلام ،
وباستقصاء أجزاء البيان وترتيب طبقاته على حسب مواقع الكلمات ، لا يتفاوت ذلك ولا يختل ،
فمن أين يدخل على قارئه ما يَكد لسانه ، أو ينبو بسمعه ؛ أو يفسد عليه إصغاءه أو يرده عما هو منه بسبيله ؛ أو يتقسم إحساسه ويتوزع فكره ؛ أو يورده الموارد من ذلك كله أو بعضه ؛ إلا أن يكون
هذا القارئ رَيضاً لم تفلح فيه رياضة البلاغة ، ولا أجدى عليه التمرين والدُّربة ؛ فخرج ألف اللسان بليدَ الحس متراجع الطبع ، لم يبلغ مبلغ الصبيان فِي إحساس الغريزة وصفاء هذه الحاسة
واطراد هذا الصفاء .
فإننا لنعرف صبيان المكاتب - وقد كنا منهم - وما يسهل عليه القرآن وإظهاره ، ولا يمكنه فِي أنفسهم حتى يثبتوه ، إلا نظمه واتساق هذا النظم ، ولو هم أخذوا فِي غيره من فنون المعارف أو متون العلوم أو مختارِ الكلام أو نحوه مما يرادون على حفظه ، أفي ذلك كان ، لأعياهم وبلغ منهم
إلى حد الانقطاع والتخاذل ، حتى لا يجمعوا منه قدراً فِي حجم القرآن إن جمعوه إلا وقد استنفدوا من العمر أضعاف ما يقطعونه فِي حفظ القرآن: على أنهم يبلغون من هذا بالعفو والأناة ، ولا يبلغون مثله من ذلك إلا بالعنتِ والجهد .