بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية فِي الهمس والجهر ، والشدة والرخاوة والتفخيم والترقيق ؛
والتفشي والتكرير ، وغير ذلك مما أوضحنا فِي صفات الحروف من باب اللغة فِي تاريخ آداب العرب .
ولقد كان هذا النظم عينه هو الذي صفى طباعَ البلغاء بعد الإسلام ، وتولى تربية الذوق الموسيقي اللغوي فيهم ، حتى كان لهم من محاسن التركيب فِي أساليبهم - مما يرجع إلى تساوق
النظم واستواء التأليف - ما لم يكن مثله للعرب من قبلهم ، وحتى خرجوا عن طرق العرب فِي السجع والترسُّل على جفاء كان فيهما ، إلى سجع وترسل تتعرف فِي نظمهما آثار الوزن والتلحين ،
على ما يكون من تفاوتهم فِي صفة ذلك ومقداره ، ومبلغهم من العلم به ، وتقدمهم فِي صنعته .
ولولا القرآن وهذا الأثر من نظمه العجيب ، لذهب العرب بكل فضيلة فِي اللغة ، ولم يبق بعدهم للفصحاء إلا كما بقي من بعد هؤلاء فِي العامية ، بل لما بقيت اللغة نفسها ، كما بسطناه فِي موضعه .
وليس يخفى أن مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي ، وأن هذا الانفعال بطبيعته إنما هو سبب فِي تنويع الصوت ، بما يخرجه فيه مداً أو غنة أو ليناً أو شدة ، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة فِي اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما فِي النفس من أصولها ؛ ثم هو يجعل الصوت
إلى الإيجاز والاجتماع ؛ أو الإطناب والبسط ؛ بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ونحوها ، مما هو بلاغة الصوت فِي لغة الموسيقى .
فلو اعتبرنا ذلك فِي تلاوة القرآن على طرق الأداء الصحيحة لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللغات كلها فِي هز الشعور واستثارته من أعماق النفس ؛ وهو من هذه الجهة يغلب بنظمه على كل طبع