وقوله تعالى: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ذكرنا أنه على تقدير حذف المضاف، وقيل: إن (على) هاهنا من صلة الافتراء والكذب، إذا قلنا إنّ (تتلوا) معناه: تحدّث وتكلّم، على ما قال أبو عبيدة وعطاء، فمعنى قوله: {تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ؛ لأنهم قالوا: إن سليمان مَلَكَ النّاسَ بالسحر، وذلك ما قاله ابن عباس رحمه الله: إن سليمان، عليه السلام، لما عُذّبَ بنزع ملكه، دفنت الشياطين في خزانته ومواضع مصلاه سحرًا وأُخَذًا ونِيرَنْجات، فلما مات سليمان دلّت الشياطين عليه الناسَ حتى أستخرجوها، وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه، فأقبل بنو إسرائيل على تعلمها، ورفضوا كتب أنبيائهم، فبرّأ الله نبيه سليمان عليه السلام على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقال السُّدِّي: إن الناس في زمن سُليمان كتبوا السحر، واشتغلوا بتعلّمه، فأخذ سليمان تلك الكتب، وجعلها في صندوق، ودفنها تحت كرسيه، ونهاهم عن ذلك، فلما مات سليمان، وذهب الذين كانوا يعرفون دفنه الكتب، تمثل شيطان على صورة إنسان، فأتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها، قال
الشيطان: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا، فاتخذ بنو إسرائيل تلك الكتب؛ فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فبرأ الله تعالى سليمان من ذلك، وأنزل هذه الآية.
وقوله تعالى {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} أي: لم يكن كافرًا ساحرًا بسحر، ويعمل بالسحر.
وقيل: وما ستر سليمان كتب السحر، ولكن الشياطين سترته ودفنته. وأصل الكفر: الستر والتغطِية.
وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} في (لكن) قراءتان: التشديد ونصب الاسم به، والتخفيف ورفع الاسم به.