{وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} : هذا مثل يضرب لمن استخفّ بالشيء وأعرض عنه جملة ، تقول العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره ، ودبر أذنه ، قال تعالى: {واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} [هود: 92] وأنشد الفرّاء:
تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتي ... بظهرٍ ولا يعيا عليك جوابها
{كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} : تشبيه لهم بمن يجهل ، لأن الجاهل بالشيء لا يحفل به ولا يهتم ، لأنه لا شعور له بما فيه من المنفعة .
والمعنى: نبذوا كتاب الله وتركوا العمل به ، على سبيل العناد والمابرة ، كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله المنزّل على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم .
{واتبعوا} الضمير لفريق من الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود .
قال الزمخشري: أي نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين .
والمراد بالاتباع: التوغّلُ والإقبال على الشيء بالكليّة ، وقيل: الاقتداء .
{تَتْلُواْ} : بمعنى تلت مضارع بمعنى الماضي ، فهو حكاية لحال ماضية ، قال الشاعر:
وانضحْ جوانبَ قبره بدمائها ... فلقد يكونُ أخا دمٍ وذبائحِ
أي فلقد كان .
وتتلو يعني: تُحدّث ، وتروي ، وتتكلم به من التلاوة بمعنى القراءة .
قال الطبري: ولقول القائل"هو يتلو كذا"فِي كلام العرب معنيان:
أحدهما: الاتباع كما تقول:"تلوت فلاناً"إذا مشيت خلقه وتبعت أثره .
والآخر: القراءة والدراسة كما تقول: فلان يتلو القرآن بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه ، كما قال (حسان بن ثابت) :
نبيّ يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله فِي كل مشهد
والمعنى: طرحوا كتاب الله وراء ظهورهم ، واتّبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها الشياطين وتحدّث وتروي بها فِي عهد سليمان .