وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْكُفْرِ الْجُحُودُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. هَاهُنَا. وَكَذَلِكَ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفِسْقِ وَأَنَّهُ الْخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فِيمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ عَلَامَاتٍ وَاضِحَاتٍ تُبَيِّنُ لِعُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارِهِمُ الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَكَ وَالْمُكَذِّبِينَ رِسَالَتَكَ أَنَّكَ لِي رَسُولٌ إِلَيْهِمْ وَنَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، وَمَا يَجْحَدُ تِلْكَ الْآيَاتِ الدَّالَّاتِ عَلَى صِدْقِكَ وَنُبُوَّتِكَ الَّتِي أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكَ فِي كِتَابِي فَيُكَذِّبَ بِهَا مِنْهُمْ، إِلَّا الْخَارِجُ مِنْهُمْ مِنْ دِينِهِ، التَّارِكُ مِنْهُمْ فَرَائِضِي عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي تَدِينُ بِتَصْدِيقِهِ. فَأَمَّا الْمُتَمَسِّكُ مِنْهُمْ بِدِينِهِ وَالْمُتَّبِعُ مِنْهُمْ حُكْمَ كِتَابِهِ، فَإِنَّهُ بِالَّذِي أَنْزَلْتُ إِلَيْكَ مِنْ آيَاتِي مُصَدِّقٌ. وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حُكْمِ الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا} فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: هِيَ وَاوٌ تُجْعَلُ مَعَ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} قَالَ: وَهُمَا زَائِدَتَانِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: فَاللَّهِ لَتَصْنَعَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَكَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: أَفَلَا تَقُومُ؛ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْفَاءَ وَالْوَاوَ هَهُنَا حَرْفَ عَطْفٍ.