وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَرُسُلِهِ} فَلَسْتَ يَا مُحَمَّدُ دَاخِلًا فِيهِمْ. فَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَسْمَاءِ مَنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَعْدَاؤُهُ بِأَعْيَانِهِمْ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ تَلْبِيسَهُمْ عَلَى أَهْلِ الضَّعْفِ مِنْهُمْ، وَيَحْسِمَ تَمْوِيهَهُمْ أُمُورَهُمْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ.
وَأَمَّا إِظْهَارُ اسْمِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} وَتَكْرِيرُهُ فِيهِ. وَقَدِ ابْتَدَأَ أَوَّلَ الْخَبَرِ بِذِكْرِهِ فَقَالَ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ} فَلِئَلَّا يَلْتَبِسَ لَوْ ظَهَرَ ذَلِكَ بِكِنَايَةٍ، فَقِيلَ: فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ عَلَى سَامِعِهِ مَنِ الْمَعْنِيُّ بِالْهَاءِ الَّتِي فِي (فَإِنَّهُ) آللَّهُ أَمْ رُسُلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، أَمْ جِبْرِيلُ، أَمْ مِيكَائِيلُ؟ إِذْ لَوْ جَاءَ ذَلِكَ بِكِنَايَةٍ عَلَى مَا وَصَفْتُ. فَإِنَّهُ يَلْتَبِسُ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يُوقَفْ عَلَى الْمَعْنَى بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الْكَلَامِ مَا وَصَفْتُ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ ذَلِكَ إِلَى نَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الكامل]
لَيْتَ الْغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِبًا ... كَانَ الْغُرَابُ مُقَطَّعَ الْأَوْدَاجِ
وَأَنَّهُ إِظْهَارُ الِاسْمِ الَّذِي حَظُّهُ الْكِنَايَةُ عَنْهُ. وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْغُرَابَ الثَّانِي لَوْ كَانَ مَكْنِيًّا عَنْهُ لَمَا الْتَبَسَ عَلَى أَحَدٍ يَعْقِلُ كَلَامَ الْعَرَبِ أَنَّهُ كِنَايَةُ اسْمِ الْغُرَابِ الْأَوَّلِ، إِذْ كَانَ لَا شَيْءَ قَبْلَهُ يَحْتَمِلُ الْكَلَامَ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ غَيْرَ كِنَايَةِ اسْمِ الْغُرَابِ الْأَوَّلِ؛ وَأَنَّ قَبْلَ قَوْلِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} أَسْمَاءٌ لَوْ جَاءَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَكْنِيًا عَنْهُ لَمْ يُعْلَمْ مَنِ الْمَقْصُودُ إِلَيْهِ بِكِنَايَةِ الِاسْمِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ حُجَّةٍ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ أَمْرَاهُمَا