والمعنى: أدمتم يا معشر اليهود! على التكذيب، فاستكبرتم عن الإيمان كُلَّما جاءكم رسولٌ من الرسل بما لا تهوى، ولا تُحِبُّ أنفسكم؛ أي: استكبرتم عن الإيمان، ودمتم على التكذيب كُلَّ وقتٍ جاءكم رسولٌ منهم بالحقِّ الذي لا يوافق هواكم. {فَفَرِيقًا} ؛ أي: طائفةً منهم {كَذَّبْتُمْ} كعيسى، ومحمدٍ عليهما السلام، والجملة معطوفة على قوله: {اسْتَكْبَرْتُمْ} ؛ أي: فنشأ عن الاستكبار مبادرتهم فريقًا من الرسل بالتكذيب فقط، حيث لا يقدرون على قتله، ولم يتمكَّنوا منه {وفريقًا} منهم {تَقْتُلُونَ} كزكريا، ويحيى، وغيرهما عليهم السلام؛ أي: وفريقًا منهم بادروه بالقتل إذ قدروا على قتله، وتهيَّأ لهم ذلك، ومعلوم أنَّ من قتلوه فقد كذّبوه، واستغنى عن التصريح بتكذيبه؛ للعلم بذلك، فذكر أقبح أفعالهم معه، وأجاز أبو القاسم الراغب أن يكون {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} معطوفًا على قوله: {وَأَيَّدْنَاهُ} ويكون قوله: أفكُلَّمَا مع ما بعده اعتراضًا بينهما على سبيل الإنكار، والأظهرُ في ترتيب الكلام الأوّلُ، وهذا أيضًا محتملٌ. وقدَّم المفعول وأخر العامل في قوله: {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} ؛ ليتَواخى رؤُوسُ الآي، وثَمَّ محذوف،
تقديرُهُ: ففريقًا منهم كذبتم، وبدأ بالتكذيب؛ لأنَّه أوَّل ما يفعلونه من الشرِّ؛ ولأنه المشترك بين الفريقين المكذَّبِ والمقتولِ، وأَتَى بفعلِ القتل مضارعًا؛ لحكاية الحال الماضية؛ ولِمَا فيه من مناسبةِ رؤوس الآي التي هي فواصلُ، وإمَّا لكونه مستقبلًا، لأنّهم يَرُوموُن قَتْلَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك سَحَروه وسَمُّوه. اهـ. من"البحر".