وراء يقال للخلف والقدام ، وهو فِي الأصل مصدر وارى ، فلما كان المصدر يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول ، فمتى قيل وراء زيد بمعنى قدامه ، فمعناه الذي يواري زيد ، وإذا قيل بمعنى"خلف"، فهو الذي يواريه زيد ، ثم جعل ظرفاً مثل كثير من المصادر ، وإن قيل: كيف قيل للخلف"فلم تقلتون"، وكان القتل من السلف لا منهم ، قيل: لما كان من عادة العرب أن ينسبوا إلى أنفسهم على طريق الفخر مأثراً بأيهم ، فيقول فعلنا كذا متصورين بصورتهم خوطبوا أيضا فِي نسبة مثالبهم إليهم على ذلك
الوجه ، وقال ابن عباس [رضي الله تعالى] عنهما: (إذا عمل معصية ، فمن أنكرها فقد برئ منها ، ومن رضيها كان كمن فعلها) ، فلما رضوا فدل آبائهم فكأنهم هم فعلوه ، فلذلك خاطبهم بذلك ،
إن قيل: كيف قال: (تقتلون من قبل) ولا يجور فِي الكلام تخرج أمس ، قيل: فِي ذلك وجهان.
أحدهما: أن عادة العرب إذا أرادوا أن يخبروا عن تعاطي فعلى مداوم عليه قرنوا لفظ الماضي بالمستقبل تنبيها على المداومة عليه نحو قول الشاعر:
ولقد أمر على الَّلئيم يسبنُّي ...
فمضيتُ ثمة قُلتُ لا يعنينِي
وعلى ذلك يقال: فعلت كذا قبل وبعد ، وافعل كذا قبل وبعد ، فيجئ تارة بلفظ الماضي وتارة بلفظ المستقبل ، والثاني إن قوله (من قبل) يتعلق بمقتضى قوله"فلم"الذي هو بحث عن علة الشيء ، فكأنه قليل: أخبرني قبل عن سبب قتلكم ، ومعنى لم تقتلون لم ترومون قتلهم ، وهذا أوضح ، وقوله: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} قيل معناه بما أنزل الله بعده من الإنجيل والقرآن ، وقيل: معناه بما تنطوي عليه التوراة ، وذاك أن انتساب المعنى إلى اللفظ انتساب المتأخر إلى المتقدم والباطن إلى الظاهر ، ولهذا يقال: وراء هذا الكلام معنى لطيف ، وفي ضمنه شيء حسن ، وقد بين الله تعالي أنهم يدعون