اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ، فَكَأَنَّهُمْ نَحَوْا بِقِرَاءَتِهِمْ مَعْنَى: (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) يَعْنِي عَمَّا يَعْمَلُهُ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ جَزَاءٌ عَلَى فِعْلِهِمْ إِلَّا الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمَرْجِعُهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ.
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ؛ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ نَحَوْا بِقِرَاءَتِهِمْ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ} يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ {عَمَّا تَعْمَلُونَ} أَنْتُمْ. وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ إِتْبَاعًا لِقَوْلِهِ: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ} وَلِقَوْلِهِ: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ} لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) إِلَى ذَلِكَ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} فَإِتْبَاعُهُ الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْأَبْعَدِ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ.
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: وَمَا اللَّهُ بِسَاهٍ عَنْ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ، بَلْ هُوَ مُحْصٍ لَهَا وَحَافِظُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ وَيُخْزِيَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَيُذِلُّهُمْ وَيَفْضَحُهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) }