وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسْرَى)
لِأَنَّ فُعَالَى فِي جَمْعِ فَعِيلٍ غَيْرُ مُسْتَفِيضٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَفِيضٍ فِي كَلَامِهِمْ، وَكَانَ مُسْتَفِيضًا فَاشِيًا فِيهِمْ جَمْعُ مَا كَانَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي بِمَعْنَى الْآلَامِ وَالزَّمَانَةِ وَاحِدَةً عَلَى تَقْدِيرِ فَعِيلٍ عَلَى فُعْلَى كَالَّذِي وَصَفْنَا قَبْلُ، وَكَانَ أَحَدُ ذَلِكَ الْأَسِيرَ؛ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُلْحَقَ بِنَظَائِرِهِ وَأَشْكَالِهِ فَيُجْمَعُ جَمْعُهَا دُونَ غَيْرِهَا مِمَّنْ خَالَفَهَا.
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ: {تُفَادُوهُمْ} فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّكُمْ تَفْدُونَهُمْ مِنْ أَسْرِهِمْ، وَيُفْدَى مِنْكُمْ، الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ فَفَادُوكُمْ بِهِمْ، أَسْرَاكُمْ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا مِنْ قَرَأَ ذَلِكَ: (تَفْدُوهُمْ) فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ إِنْ أَتَاكُمُ الَّذِينَ أَخْرَجْتُمُوهُمْ مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ أَسْرَى فَدَيْتُمُوهُمْ فَاسْتَنْقَذْتُمُوهُمْ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنَ الْأُولَى، أَعْنِي: (أَسْرَى تَفْدُوهُمْ) لِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْيَهُودِ فِي دِينِهِمْ فِدَاءُ أَسْرَاهُمْ بِكُلِّ حَالٍ فَدَى الْآسِرُونَ أَسْرَاهُمْ مِنْهُمْ أَمْ لَمْ يُفْدُوهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ} وَجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْإِخْرَاجِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَإِخْرَاجُهُمْ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ. ثُمَّ كَرَّرَ الْإِخْرَاجَ الَّذِي بَعْدَ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ تَكْرِيرًا عَلَى هُوَ، لِمَا حَالَ بَيْنَ الْإِخْرَاجِ وَهُوَ كَلَامٌ.