قال ابن عباس:"أعرضوا عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الفروض إلا قليلاً منهم". وهو خطاب لمن بحضرة رسول الله [عليه السلام] .
وقيل: هو إخبار عن أسلافهم ، فمعناه: ثم تولى أسلافكم إلا قليلاً منهم ، وأنتم الآن معرضون خطاب لمن بالحضرة أي: وأنتم مثل أولئك الذين تولوا من أسلافكم . ودل على هذا التاويل ما بعده من ذكر سفك الدماء أنه إخبار عن أسلافهم ومخاطبة لمن بالحضرة ، ولم يسفك من بالحضرة الدماء ، ولا أخرج بعضهم بعضاً من ديارهم ، إنما ذلك فعل أسلافهم ، فكون الكلام كله على سياق واحد أولى وأحسن.
ومعنى: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} / الآية أي يقتل بعضكم بعضاً ، ويخرج بعضكم بعضاً.
{مِّن دِيَارِهِمْ} يريد به أسلافهم.
وقيل: المعنى: لا تقتلوا فيجب عليكم القصاص فتُقتلوا فتكونوا سبباً لقتل أنفسكم . ولا تفسدوا فيجب عليكم النفي فتكونوا سبباً لإخراجكم من دياركم.
قوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} .
أي: اعترفتم أن هذا قد أخذ عليكم.
ومعناه: أقَرَّ أوائلُكم بذلك . وأنتم يا هؤلاء تشهدون على إقرارهم لأن في
[كتابكم أخذي للميثاق] عليهم فأنتم شهود.
وقيل: الخطاب من أوله لهم وهم المقرون ، وذلك من بالحضرة من اليهود.
وقوله: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} .
لأوائلهم ، وأوائلكم يشهدون بأخذي للميثاق عليهم ودل على ذلك قوله {ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء} ، فَوَبَّخَ من بالحضرة ، وأشار إليهم بهاء التشبيه بعد أن مضى ذكر أسلافهم ، ورجع إلى ذكرهم . ومخاطبتهم بقوله لهم: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} هو أنهم كانوا قد افترقوا فرقتين: فرقة مع الأوس وفرقة مع الخَزْرَجِ . فإذا جرى بين الأوس والخزرج قِتَال أعانت كل فرقة منهم أصحابهم ، فيقتل بعضهم بعضاً ، ويجلي بعضهم بعضاً فِي الحمية وهم فِي أيديهم التوراة يعرفون ما عليهم ، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك لا كتاب لهم يعبدون الأوثان ، فإذا وضعت الحرب فَدَوْا أسراهم تصديقاً لما