كَانَ التَّذْكِيرُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِأَهَمِّ الْمَأْمُورَاتِ الَّتِي أَخَذَ اللهُ - تَعَالَى - الْمِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِهَا بَعْدَ تَوْحِيدِ اللهِ - تَعَالَى - وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَبَيَانِ أَنَّهُمْ نَقَضُوا مِيثَاقَ اللهِ - تَعَالَى - وَلَمْ يَأْتَمِرُوا بِهَا ، وَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ التَّذْكِيرُ بِأَهَمِّ الْمَنْهِيَّاتِ الَّتِي أَخَذَ اللهُ - تَعَالَى - الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ بِاجْتِنَابِهَا ، وَبَيَانُ أَنَّهُمْ نَقَضُوا مِيثَاقَهُ وَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْهَا ، وَقَدْ قَالَ هُنَاكَ: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَيِ الَّذِينَ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْرَاةُ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خِطَابِ الْحَاضِرِينَ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ فَقَالَ: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) وَقَالَ هُنَا: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ) تَمَادِيًا فِي سِيَاقِ الِالْتِفَاتِ ، وَتَذْكِيرًا بِوَحْدَةِ الْأُمَّةِ وَاعْتِبَارِهَا كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ ، يُصِيبُ الْخَلْفَ أَثَرُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ مَا اسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِمْ ، وَجَرَوْا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ ، كَمَا تُؤَثِّرُ أَعْمَالُ الشَّخْصِ السَّابِقَةُ فِي قُوَاهُ النَّفْسِيَّةِ ، وَطَبْعِ مَلَكَاتِهِ
بَعْدَ انْحِلَالِ مَادَّةِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ الَّتِي ابْتَدَأَتِ الْعَمَلَ ، وَحُلُولِ مَوَادٍّ أُخْرَى فِي مَحِلِّهَا تَتَمَرَّنُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، فَمَا يَفْعَلُهُ الشَّخْصُ فِي صِغَرِهِ ، يَبْقَى أَثَرُهُ فِي قُوَاهُ فِي كِبَرِهِ ، فَكَذَلِكَ الْأُمَمُ .