74 -ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن جفائهم وقسوة قلوبهم، فقال: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} خطاب لأهل عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحبار، و {ثُمَّ} ؛ لاستبعاد القسوة من بعد ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها. وعبارة «الصاوي» هنا: نزّل استبعاد قسوة قلوبهم؛ لظهور خوارق العادات العظيمة منزلة التراخي، فأتى بثم، وأكده بالظرف بعده. اهـ. ونحو الآية قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} والقسوة والقساوة: عبارة عن الغلظ والصلابة، كما في الحجر، ووصف القلوب بالقسوة والغلظ؛ مثل لنبوّها وتكبرها عن الاعتبار، وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها، أي ثمّ صلبت وغلظت قلوبكم يا كفار بني إسرائيل! فلم تقبل الحق الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم {مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} ؛ أي: من بعد سماع تلك الآيات الباهرة، أو رؤيتها من إحياء القتيل وإخباره بقاتله، والمسخ قردة وخنازير، ورفع الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من حجر، وغيرها من الآيات، والقوارع التي تميع منها الجبال، وتلين بها الصخور {فَهِيَ} ؛ أي: القلوب {كَالْحِجارَةِ} ؛ أي: مثل الحجارة في شدتها وقسوتها، والفاء لتفريع مشابهتها لها، على ما ذكر من القساوة تفريع التشبيه على بيان وجه الشبه، كقولك: احمرّ خدّه فهي كالورد؛ أي: فقلوبكم أيها اليهود مثل الحجارة الجامدة في القساوة، والصلابة، واليبس {أَوْ أَشَدُّ} منها {قَسْوَةً} ؛ أي: بل هي أزيد قساوة وصلابة من الحجارة. وعنى بهذه القسوة. تركهم الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم بعد ما عرفوا صدقه، وقدرة الله على عقابهم بتكذيبهم إياه. وقوله: {قَسْوَةً} تمييز أو بمعنى بل، أو للتخيير؛ أي: إن شئتم فاجعلوها أشدّ منها، كالحديد، فأنتم مصيبون، وإنما لم تحمل {أَوْ} على معناها الأصلي وهو الشكّ والتردّد؛ لمّا أنّ ذلك محال على علام الغيوب.
فَإِنْ قُلْتَ: لم قيل: {أَشَدُّ قَسْوَةً} ؟ وفعل القسوة مما يبنى فيه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟