ثم رأيت الإمام الراغب حاول هنا تقريب ما نقل من الوقوف على ظاهرها بتأويله . وعبارته: قال مجاهد وابن جريج: كل حجر تردى من رأس جبل فخشية الله نزلت به ، وقال الزجاج: الهابط منها قد جعل له معرفة ، قال ويدل على ذلك قوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21] ، وقال: {لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الحج: 18] ، إلى قوله: {النُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ} [الحج: 18] وقد روي مثل هذا عن السلف ، ولا بد فِي معرفة ذلك من مقدمة تكشف عن وجه هذا القول ، وحقيقته . فإن قوماً استسلموا لما حكي لهم من هذا النحو ، فانطووا على شبهة ، وقوماً استبعدوا ذلك واستخفوا عقل رواته وقائليه ، فيقال وبالله التوفيق: إن قوماً من المتقدمين ذكروا أن جميع المعارف على أضرب:
الأول المعرفة التامة التي هي العلم التام . وذلك لعلاّم الغيوب الذي أحاط بكل شيء علماً .
والثاني معرفة متزايدة ، وهي للإنسان ، وذاك أن الله تعالى جعل له معرفة غريزية ، وجعل له بذلك سبيلاً إلى تعريف كثير مما لم يعرفه ، وليس ذلك إلا للإنسان .
والثالث معرفة دون ذلك ، وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها . واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها ، ودفع مضار عن أنفسها .
والرابع: معرفة الناميات من الأشجار والنبات ، وهي دون ما للحيوانات ، وليس ذلك إلا فِي استجلاب المنافع وما ينميها .