وهذا واسع مستحسن في جميع المبهمة، فمن المبهمة (كم) في قوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ} [النجم: 26] ، وقال: {وَكَم مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4] ، ثم قال: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} وقال: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] ، وقال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] وقال: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] .
فهذه الأسماء حسن فيها هذا، لما لم يكن لواحد بعينه ولا لنوع وحده، فكذلك (ذلك) لما كان مبهماً جاز أن يراد به الواحد مرة، وأكثر من الواحد مرة، وعلى هذا الحد صار فاعلاً لحبَّ في قولهم: [حبذا. ألا ترى أنه موضع يقع فيه الاسم، كما أن فاعل نعم وبئس عام. وقيل:] حبذا هند، كما قيل: حبذا زيد، ويدلك على ما ذكرنا من قصدهم بـ (ذلك) الجمع وما زاد على الواحد، أن رؤبة لما قيل له في قوله:
فيه خُطُوطٌ من سَوَادٍ وبَلَقْ ... كأَنَّه في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
وجب أن تقول: كأنها، وإن أردت السواد والبلق وجب أن تقول: كأنهما.
قال: أردت كأن ذاك. فعلم بهذا أنهم يقصدون بـ (ذلك) غير المفرد وأنه قصد هذا المعنى، وعليه حمل كلامه.
ويدل أيضًا على أنهم يقصدون بـ (ذلك) إلى أكثر من الواحد إضافتهم (كلا) إليه، وذلك في قول القائل:
وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ
ألا ترى أن (كلا) لا يضاف إلى المفرد، فبان أن المراد بـ (ذلك) الزيادة على الواحد. وكذلك قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} إنما أضيف
(بين) إلى (ذلك) لأن المراد به الزيادة على الواحد.
ألا ترى أنه إشارة إلى ما تقدم من قوله مما دل على الفروض والبكارة.