ثم ذكر تعالى تبرمهم من الرزق الذي امتن به عليهم، فلجوا فِي طلب ما كان مألوفهم إلى نبيهم فقالوا: {ادع لنا ربك} ، وذلك جري على عادته معهم، إذ كان يناجي ربه فيما كان عائداً عليهم بصلاح دينهم ودنياهم، وذكر توبيخه لهم على ما سألوه من استبدال الخسيس بالنفيس، وبما لا نصب فِي اكتسابه ما فيه العناء الشاق، إذ ما طلبوه يحتاج إلى استفراغ أوقاتهم المعدة لعبادة ربهم فِي تحصيله، ومع ذلك فصارت أغذية مضرة مؤذية جالبة أخلاطاً رديئة، ينشأ عنها طمس أنوار الأبصار والبصائر، بخلاف ما رزقهم الله، إذ هو شيء واحد جيد، ينشأ عنه صحة البدن وجودة الإدراك.
كان الخليل بن أحمد، رحمه الله، يستف دقيق الشعير، ويشرب عليه الماء العذب، وكان ذهنه أشرق أذهان أهل زمانه، وكان قوي البدن يغزو سنة ويحج أخرى.
ثم أمروا بالحلول فيما فيه مطلبهم والهبوط إلى معدن ما سألوه، ثم أخبر تعالى بما عاقبهم به من جعلهم أذلاء مساكين ومبائتهم بغضبه، وإن ذلك متسبب عن كفرهم بالآيات التي هي سبب الإيمان، لما احتوت عليه من الخوارق التي أعجزت الإنس والجان، وعن قتلهم من كان سبباً لهدايتهم، وهم الأنبياء، إذ باتباعهم يحصل العز فِي الدنيا والفوز فِي الأخرى، وأن الذي جرّ الكفر والقتل إليهم هو العصيان والاعتداء اللذان كانا سبقاً منهم قبل تعاطي الكفر والقتل.
إن الأمور صغيرها ... مما يهيج له العظيم
وقال:
والشر تحقره وقد ينمى ...
انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 393 - 400}