فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَكُنْ حِينَ غُشِيَ عَلَيْهِ وَصُعِقَ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا أَفَاقَ قَالَ: {تُبْتُ إِلَيْكَ} وَلَا شَبَهَ جَرِيرٍ الْفَرَزْدَقَ وَهُوَ حَيٌّ بِالْقِرْدِ مَيِّتًا، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى الصَّاعِقَةِ الَّتِي أَصَابَتْكُمْ، يَقُولُ: أَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ عِيَانًا جِهَارًا وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيْهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} ثُمَّ أَحْيَيْنَاكُمْ وَأَصْلُ الْبَعْثِ: إِثَارَةُ الشَّيْءِ مِنْ مَحِلِّهِ، وَمِنْهُ قِيلَ: بَعَثَ فُلَانٌ رَاحِلَتَهُ: إِذَا أَثَارَهَا مِنْ مَبْرَكِهَا لِلسَّيْرِ
وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ: يَوْمُ الْبَعْثِ، لِأَنَّهُ يَوْمٌ يُثَارُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ بِالصَّاعِقَةِ الَّتِي أَهْلَكَتْكُمْ
وَقَوْلُهُ: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
يَقُولُ: فَعَلْنَا بِكُمْ ذَلِكَ لِتَشْكُرُونِي عَلَى مَا أَوْلَيْتُكُمْ مِنْ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِإِحْيَائِي إِيَّاكُمُ اسْتِبْقَاءً مِنِّي لَكُمْ لِتُرَاجِعُوا التَّوْبَةَ مِنْ عَظِيمِ ذَنْبِكُمْ بَعْدَ إِحْلَالِي الْعُقُوبَةَ بِكُمْ بِالصَّاعِقَةِ الَّتِي أَحْلَلْتُهَا بِكُمْ، فَأَمَاتَتْكُمْ بِعَظِيمِ خَطَئِكُمْ الَّذِي كَانَ مِنْكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ. وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ قَوْلَ {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} ثُمَّ أَحْيَيْنَاكُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ:" {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} أَيْ بَعَثْنَاكُمْ أَنْبِيَاءَ"