وَأَمَّا قَوْلُهُ: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ تَوْبَتَكُمْ بِقَتْلِكُمْ أَنْفُسَكُمْ وَطَاعَتِكُمْ رَبَّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ تَنْجَوْنَ بِذَلِكَ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى ذَنْبِكُمْ، وَتَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الثَّوَابَ مِنْهُ
وَقَوْلُهُ: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أَيْ بِمَا فَعَلْتُمْ مِمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ قَتْلِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا. وَهَذَا مِنَ الْمَحْذُوفِ الَّذِي اسْتَغْنَى بِالظَّاهِرِ مِنْهُ عَنِ الْمَتْرُوكِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ، فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ، فَتُبْتُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ. فَتَرَكَ ذِكْرَ قَوْلِهِ فَتُبْتُمْ إِذْ كَانَ فِي قَوْلِهِ: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى اقْتِضَاءِ الْكَلَامِ فَتُبْتُمْ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} رَجَعَ لَكُمْ وَبِكُمْ إِلَى مَا أَحْبَبْتُمْ مِنَ الْعَفْوِ عَنْ ذُنُوبِكُمْ، وَعَظِيمِ مَا رَكِبْتُمْ، وَالصَّفْحِ عَنْ جُرْمِكُمْ.
قَوْلُهُ: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
يَعْنِي الرَّاجِعَ لِمَنْ أَنَابَ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى مَا يُحِبُّ مِنَ الْعَفْوِ عَنْهُ. وَيَعْنِي بِالرَّحِيمِ: الْعَائِدَ إِلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ الْمُنْجِيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) }