لَا جَرَمَ أَنَّ نُفُوسَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ كَانَتْ تَهْتَزُّ وَتَأْخُذُهَا الْأَرْيَحِيَّةُ عِنْدَ مَا تَلَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْآيَةَ لِمَا فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ بِعِنَايَةِ اللهِ - تَعَالَى - بِهِمْ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَارَنُوا بَيْنَ هَذَا التَّذْكِيرِ وَبَيْنَ تَذْكِيرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ بِتِلْكَ الْقَوَارِعِ الشَّدِيدَةِ ، لَمْ يَتْرُكْهَا بَعْدَ هَذِهِ الْهَزَّةِ تَجْمَحُ فِي عُجْبِهَا وَفَخْرِهَا ، وَتَتَمَادَى فِي إِبَائِهَا وَزَهْوِهَا ، بَلْ عَقَّبَ عَلَيْهَا فَذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ سَيِّئَةً لَهُمْ ، هِيَ كُبْرَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي ظَلَمُوا بِهَا أَنْفُسَهُمْ وَكَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ ، وَهِيَ اتِّخَاذُ الْعِجْلِ إِلَهًا ، وَقَدَّمَ عَلَى ذِكْرِهَا خَبَرَ مُوَاعَدَةِ مُوسَى وَهِيَ مِنَ النِّعَمِ ، وَخَتَمَهَا بِذِكْرِ الْعَفْوِ ، ثُمَّ قَفَّى عَلَيْهَا بِذِكْرِ نِعْمَةِ إِيتَائِهِمُ الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ ، وَهَذَا مَا يَجْعَلُ أَنْفُسَ السَّامِعِينَ الْوَاعِينَ قَلِقَةً يَتَنَازَعُهَا شُعُورُ اعْتِرَافِ الْمُذَكِّرِ الْوَاعِظِ لَهَا بِالشَّرَفِ ، وَشُعُورُ رَمْيِهِ إِيَّاهَا بِالظُّلْمِ وَالسَّرَفِ .