ثم فِي الآية فوائد منها: التحذير لمن كان فِي زمان نبينا صلى الله عليه وسلم عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك . ومنها تشبيه جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بجحود أسلافهم نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات ليتنبهوا أنه إنما لا يظهر على النبي صلى الله عليه وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ، ولو جحدوها لاستحقوا العقاب كما استحقه أسلافهم . ومنها التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده كي يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل .
ومنها إزالة شبهة من يقول إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب ، حيث إنهم عرفوا خبره ، وذلك أنه تعالى بيَّن أن أسلافهم بعد مشاهدة تلك الآيات كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ، فكيف يتعجب من مخالفتهم محمداً صلى الله عليه وسلم وإن وجدوا فِي كتبهم أخبار نبوته صلى الله عليه وسلم . ومنها لما أخبر محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه القصة مع كونه أمياً ، تبين أن ذلك من الوحي .
بقي ههنا بحث وهو أن المعتزلة استدلوا بالآية على امتناع رؤية الله تعالى لأنها لو كانت أمراً جائز الوقوع لم تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم حين التمسوا النقل من قوت إلى قوت فِي قولهم {لن نصبر على طعام واحد} [البقرة: 61] . وأجيب بأن امتناع رؤيته فِي الدنيا لا يستلزم امتناع رؤيته فِي الآخرة الذي هو محل النزاع ، فعل رؤيته تقتضي زوال التكليف عن العبد والدنيا مقام التكليف ، وأيضاً اقتراح دليل زائد على صدق المدعي بعد ثبوته تعنت . وأيضاً لا يمتنع أن الله تعالى علم أن فيه مفسدة كما علم فِي إنزال الكتاب من السماء {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة}