والموت لا بد واقع فليس فِي تحمل القتل إلا التقديم والتأخير . والثالثة هي الفاء الفصيحة أي المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم . وعلى هذا يكون الكلام خطاباً من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات ، ويمكن أن يقال: المحذوف شرط منتظم فِي جملة قول موسى كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم ، وإنما اختص هذا الموضع بذكر البارئ لأن معناه كما مر فِي الأسماء الذين خلق الخلق على الوجوه الموافقة للمصالح والأغراض ، ففيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العليم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة برآء من التنافر مناسبة للحكم والمقاصد إلى عبادة العجل الذي هو مثل فِي البلادة والغباوة ، فلا جرم كان جزاؤهم تفكيك ما ركب من خلقهم وتبديل . من أشكالهم حين لم يشكروا النعمة فِي ذلك وغمطوها باتخاذ من لا يقدر على شيء منها . والمراد بقتل الأنفس إما ما يقتضيه ظاهر اللفظ وهو أن يقتل كل واحد نفسه ، والقتل اسم للفعل المؤدي إلى زهوق الروح فِي الحال أو فِي المآل . وإما قتل بعضهم بعضاً وعليه المفسرون لقوله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11] {فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] وذلك أن المؤمنين كنفس واحدة . ثم اختلفوا فقيل: إنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم . وقيل: لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبرن على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة ، وأتاهم هارون بالاثني عشر ألفاً الذين ما عبدوا العجل وبأيديهم السيوف فقال: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين للسيوف فاجلسوا بأفنية بيوتكم واتقوا الله واصبروا ، فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل ويقولون آمين . روي أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه فلم يمكنه المضي لأمر الله ، فأرسل الله