والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحّدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيّين والشهداء والصالحين.
وقد تمسّك القاضي عليهم فِي الردّ بشيئين: أحدهما: الأخبار الكثيرة التي تواترت فِي المعنى.
والثاني: الإجماع من السلف على تلقّي هذه الأخبار بالقبول ؛ ولم يَبْدُ من أحد منهم فِي عصر من الأعصار نكير ؛ فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد دين المعتزلة.
فإن قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب ردّ هذه الأخبار ؛ مثل قوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] .
قالوا: وأصحاب الكبائر ظالمون.
وقال: {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] ، {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة} [البقرة: 48] .
قلنا: ليست هذه الآيات عامة فِي كل ظالم ، والعموم لا صيغة له ؛ فلا تعمّ هذه الآيات كل مَن يعمل سوءاً وكل نفس ، وإنما المراد بها الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة فِي ذلك.
وأيضاً فإن الله تعالى أثبت شفاعةً لأقوام ونفاها عن أقوام ؛ فقال فِي صفة الكافرين: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين} [المدثر: 48] وقال: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} [الأنبياء: 28] وقال: {وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] .
فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين.
وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: {واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 48] النفسُ الكافرة لا كل نفس.