ثم ارجع فأقول: يا رب ما بقي فِي النار إلا من حبسه القرآن ، أي وجب عليه الخلود""
وأكثر هذا الخبر مخرج بلفظه فِي الصحيحين.
قالت المعتزلة: الكلام على هذا الخبر وأمثاله من وجوه ، أحدها: أن هذه الأخبار أخبار طويلة فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالظاهر أن الراوي إنما رواها بلفظ نفسه ، وعلى هذا التقدير لا يكون شيء منها حجة ، وثانيها: أنها خبر عن واقعة واحدة ، وأنها رويت على وجوه مختلفة مع الزيادات والنقصانات ، وذلك أيضاً مما يطرق التهمة إليها.
وثالثها: أنها مشتملة على التشبيه وذلك باطل أيضاً يطرق التهمة إليها.
ورابعها: أنها وردت على خلاف ظاهر القرآن.
وذلك أيضاً بطرق التهمة إليها.
وخامسها: أنها خبر عن واقعة عظيمة تتوافر الدواعي على نقلها ، فلو كان صحيحاً لوجب بلوغه إلى حد التواتر وحيث لم يكن كذلك فقد تطرقت التهمة إليها ، وسادسها: أن الاعتماد على خبر الواحد الذي لا يفيد إلا الظن فِي المسائل القطعية غير جائز.
أجاب أصحابنا عن هذه المطاعن بأن كل واحد من هذه الأخبار وإن كان مروياً بالآحاد إلا أنها كثيرة جداً وبينها قدر مشترك واحد وهو خروج أهل العقاب من النار بسبب الشفاعة فيصير هذا المعنى مروياً على سبيل التواتر ، فيكون حجة والله أعلم.
والجواب على جميع أدلة المعتزلة بحرف واحد وهو أن أدلتهم على نفي الشفاعة تفيد نفي جميع أقسام الشفاعات ، وأدلتنا على إثبات الشفاعة تفيد إثبات شفاعة خاصة والعام والخاص إذا تعارضا قدم الخاص على العام فكانت دلائلنا مقدمة على دلائلهم ، ثم إنا نخص كل واحد من الوجوه التي ذكروها بجواب على حدة:
أما الوجه الأول: وهو التمسك بقوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة} فهب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن تخصيص مثل هذا العام بذلك السبب المخصوص يكفي فيه أدنى دليل ، فإذا قامت الدلائل الدالة على وجود الشفاعة وجب المصير إلى تخصيصها.