الْيَهُودُ كَسَائِرِ الْمِلَلِ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ بِكِتَابِهِمْ وَالْعَمَلَ بِهِ ، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى أَحْكَامِهِ وَالْقِيَامَ بِمَا يُوجِبُهُ ، وَلَكِنَّ اللهَ - تَعَالَى - عَلَّمَنَا أَنَّ مِنَ الْإِيمَانِ - بَلْ مِمَّا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ إِيمَانًا - مَا لَا يُعْبَأُ بِهِ ، فَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَهُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَى الْقَلْبِ ، وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي إِصْلَاحِ الْعَمَلِ ، كَمَا قَالَ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) وَكَانَتِ الْيَهُودُ فِي عَهْدِ بِعْثَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدْ وَصَلُوا فِي الْبُعْدِ عَنْ جَوْهَرِ الدِّينِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ . كَانُوا - وَلَا يَزَالُونَ - يَتْلُونَ الْكِتَابَ تِلَاوَةً يَفْهَمُونَ بِهَا مَعَانِيَ الْأَلْفَاظِ ، وَيُجِلُّونَ أَوْرَاقَهُ وَجِلْدَهُ ، وَلَكِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَرْضَاهُ - تَعَالَى - ، يَتْلُونَ أَلْفَاظَهُ وَفِيهَا الْبِشَارَةُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيَأْمُرُونَ بِالْعَمَلِ بِأَحْكَامِهِ وَآدَابِهِ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَلَكِنَّ الْأَحْبَارَ الْقَارِئِينَ الْآمِرِينَ النَّاهِينَ مَا كَانُوا يُبَيِّنُونَ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ وَتَقَالِيدَهُمْ ، وَلَا يَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ إِلَّا إِذَا لَمْ يُعَارِضْ حُظُوظَهُمْ وَشَهَوَاتِهِمْ ؛ فَقَدْ عَهِدَ اللهُ إِلَيْهِمْ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يُقِيمُ مِنْ إِخْوَتِهِمْ نَبِيًّا يُقِيمُ الْحَقَّ ، وَفَرَضَ