ويأتي فِي"براءة"زكاة العين والماشية ، وبيان المال الذي لا يؤخذ منه زكاة عند قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} .
وأما زكاة الفطر فليس لها فِي الكتاب نصٌّ عليها إلا ما تأوّله مالك هنا ، وقوله تعالى:
{قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى} [الأعلى: 14 15] .
والمفسرون يذكرون الكلام عليها فِي سورة"الأعلى"؛ ورأيت الكلام عليها فِي هذه السورة عند كلامنا على آي الصيام ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرض زكاة الفطر فِي رمضان ، الحديث.
وسيأتي ، فأضافها إلى رمضان.
الخامسة: قوله تعالى: {واركعوا} الركوع فِي اللغة الانحناء بالشخص ؛ وكل منحن راكع.
قال لَبيد:
أُخَبِّرُ أخبارَ القرون التي مضت ...
أَدِبُّ كأني كلما قمت راكعُ
وقال ابن دُريد: الركعة الهُوّة فِي الأرض ، لغة يمانية.
وقيل: الانحناء يعم الركوع والسجود ؛ ويستعار أيضاً فِي الانحطاط فِي المنزلة.
قال:
ولا تُعادِ الضعيفَ عَلّك أن ...
تركع يوماً والدهر قد رفعه
السادسة: واختلف الناس فِي تخصيص الركوع بالذكر ؛ فقال قوم: جعل الركوع لما كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة.
قلت: وهذا ليس مختصًّا بالركوع وحده ؛ فقد جعل الشرع القراءة (عبارة) عن الصلاة ، والسجودَ عبارة عن الركعة بكمالها ؛ فقال: {وَقُرْآنَ الفجر} [الإسراء: 78] أي صلاة الفجر ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"وأهل الحجاز يطلقون على الركعة سجدة.
وقيل: إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن فِي صلاتهم ركوع.
وقيل: لأنه كان أثقل على القوم فِي الجاهلية ؛ حتى لقد قال بعض من أسلم أظنه عمران بن حُصين للنبيّ صلى الله عليه وسلم: على ألاّ أخِرّ إلا قائماً.
فمن تأويله على ألاّ أركع ؛ فلما تمكن الإسلام مِن قلبه اطمأنت بذلك نفسه وامتثل ما أمر به من الركوع.