الإلزام فإن الْمُصَنّف) يعتبر هنا الالتزام ولم يحمل العهد في قوله: (وَأَوْفُوا بعَهْدي)
عَلَى الالتزام حتى ينافي إضَافَته إلَى الْفَاعل دل عَلَى الأمر كما عرفت، وهذا
إشَارَة إلَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"من قال لَا إلَهَ إلَّا الله عصم مني دماءهم". الْحَديث. فمن قال
يوجد الوفاء ظاهرا لدلالته عَلَى التصديق اليقيني، وإن جاز التخلف ونحن نحكم بالظاهر
والله تَعَالَى أعلم بالسرائر، فلا وجه للبحث هنا كما لا يخفى، وإنَّمَا عد حقن الدماء من إيفاء
الله تَعَالَى عهده؛ إذ الإثابة وهو حسن الْجَزَاء عام للجزاء الدنيوي أيضًا.
قوله: (وآخرها أي آخر مراتب الوفاء هنا الاسْتغْرَاق) فحِينَئِذٍ يكون الْمُرَاد بالأمر القدر
المشترك بين الوجوب والندب لا الوجوب فقط فإن هذه المرتبة الأخيرة ونحوها ليست
بواجبة عَلَى كل أحد ثم هذه المرتبة الرابعة للقوة العملية فإنها تتجلى للعامل عقيب اكتساب
ملكة الاتصال بعالم الغيب وهي أن تتجلى النفس بالصور القدسية وهذه مرتبة ثالثة لها
والمرتبة الثانية تهذيب الباطن عن الملكات [الرديئة] وإزالة الشواغل عن عالم الغيب والمرتبة
الأولى تهذيب الظَّاهر باسْتعْمَال الشرائع النبوية والنواميس الْإلَهيَّة. نسأل الله التوفيق لهذه
المراتب العلية، والْمُرَاد (بالاسْتغْرَاق في بحر التوحيد) الاسْتغْرَاق في ملاحظة جمال الله تَعَالَى
وجلاله وقصر النظر عَلَى كماله حتى يرى كل قدرة حادثة مضمحلة في جنب قدرته القديمة
الكاملة وكل علم مستغرق في علمه الشامل بل كل وجود وكمال إنما هُوَ فائض عن قدرته
وإرادته لكن لما كان خلاصة الْمَذْكُورات التوحيد خص التوحيد بالذكر وإضافة البحر إلَى
التوحيد من قبيل إضافة المشبه به إلَى المشبه والاسْتغْرَاق تَرْشيح لأنه من ملائمات المشبه به
قوله: (بحَيْثُ يغفل عن نفسه) أي يغفل كل مستغرق أو كل واحد منا، وإلا فالظَّاهر تغفل عن
أنفسنا لقوله وآخرها منا الاسْتغْرَاق وكذا قوله (فضلًا من غيره) إذ الظَّاهر فضلًا عن غيرنا.
قوله: (ومن الله) أي وآخرها من الله تَعَالَى(الفوز باللقاء الدائم. وما روي عن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله
تَعَالَى عنهما: أَوْفُوا بعَهْدي في اتباع محمد صلّى الله عليه وسلّم، أوف بعهدكم في رفع
الآصار والإغلال. وعن غيره أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالْمَغْفرَة والثواب.
أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم، أوف بالكرامة والنعيم المقيم، فبالنظر إلَى
الوسائط)أي إيصال الفوز به الدائم.
قوله: (وما روي رواه ابن جرير بسند صحيح وكذا ما بعده لكن في سنده ضعف كذا)
قيل ولهذه أخَّره والإصار جمع إصر والإصر عباء ثقليلًا بإصر صاحبه أي يحبسه في مكانه
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: ومن الله حقن الدم والمال فإن من أتى بكلمي الشَّهَادَة وإن لم يطابق ما في قلبه صار
محقون الدم والمال
قوله: بحَيْثُ يفعل فاعل يفعل ضمير راجع إلَى المعهود ذهنًا لدلالة الاسْتغْرَاق عليه. أي
بحَيْثُ يفعل من وفى هذا الوفاء عن نفسه.
قوله: فبالنظر إلَى الوسائط أي المراتب المتوسطة بين الأول المراتب وآخرها وهي الوسائط
إلى نيل آخر المراتب.