أهل الإيمان فِي كل طاعة وفقوا لها يعلمون أنها رحمة من الله بهم ، وفي كل ذنب تابوا إلى الله منه فغفره لهم فإنما هي رحمة من الله بهم ، وهذه الرحمة غير رحمته العامة بهم وبسائر خلقه فِي ما هيأ لهم من أسباب حياتهم ومعاشهم وأهليهم ، وأموالهم وأرزاقهم ؛ فهذه الرحمة التي دل عليها اسم الرحمن ، والأولى التي دل عليها اسم الرحيم ولا يخفى أن المقام هنا ألصق بالرحمة الخاصة المتعلقة بالتوبة ، وقبولها ؛ ولذا ختمت الآية بهذين الاسمين الكريمين {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، وبالتأمل فِي هذه الآية الكريمة وما بها من الخير العظيم للبشرية بسهولة الرجوع إلى الله ، وأن الباب لهم مفتوح من خلف أبيهم آدم فالاعتراف بالذنب والندم والاستغفار يحصل به العفو والمغفرة وزوال أثر الخطيئة ، نجد فيها حل المشكلة الكبرى التي توهمها كفار النصارى الذين تصوروا وظنوا أن الخطيئة التي أخطأها آدم لم تغفر ولا تغفر - رغم العقوبة التي وقعت بالإنزال إلى الأرض - بل إنها موروثة لبنيه من بعده فالخطيئة متعلقة برقابهم من حين ولادتهم لا خلاص لهم منها إلا بفداء إلهي فِي زعمهم وأن هذا هو سبب وجود المسيح وصلبه ليتحمل الخطيئة عن البشر ، وغير مقبول من أحد أي توبة أو استغفار إلا بقبول هذا الفداء.والعجب أن هذه النظرة القاسية المخالفة لمقتضى أسماء الله وصفاته التي من أظهرها نقلاً وعقلاً صفة الرحمة والتوبة ، ومخالفة لما تقرر عندهم فِي العهد القديم أن الأب لا يجني على ابنه ولا الابن على أبيه ، ويكفي فِي بطلان هذه العقيدة أن الأجيال التي آمنت بالعهد القديم قبل بعث المسيح هي عندهم ناجية مقبولة عند الله مؤمنة ولم يشر العهد القديم إلى قضية الذبيحة الإلهية التي تتحمل خطايا البشر وتخلصهم منها ، وأن المخلص المصلوب ليس له أي ذكر طيلة هذه القرون من لدن نوح بل آدم عليه السلام إلى زمن اختراع هذه العقيدة الباطلة على أيدي كفرة أهل الكتاب وفي عقولهم الفاسدة ،