عليه.وهذا ظاهر فِي رد قول من قال إن إبليس كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن ، فمادة خلق الجن غير مادة خلق الملائكة والملائكة فطرت على إرادة الخير والقوة فِي العبادة دون إرادة الشر ، وإبليس ركبت فيه إرادة الشر ، وكان قبل ذلك مريدًا فاعلاً للخير وإنما صار كواحد من الملائكة لما عمل أعمالهم وتعبد بعبادتهم كما قال ابن كثير - رحمه الله -:"إن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس فِي خطابهم لأنه لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم ؛ فلهذا دخل فِي الخطاب لهم وذم فِي مخالفة الأمر". ا هـ.ولهذا لم يرد فِي أي موضع مع تكرار القصة فِي القرآن أن إبليس احتج بأن الأمر ليس له لأنه ليس من الملائكة ؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن كافرًا ؛ لأنه تأول الأمر وأخطأ الفهم وليس الأمر كذلك ، بل بين الله سبحانه أن إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ، فهو كان يعلم أن الأمر كان شاملاً له مع الملائكة لأن العبرة بالصفات والأعمال لا بمجرد عنصر الخلقة ، كما أنه صار من الكافرين لما أبى واستكبر وطرد ولعن وأبعد عن المنزلة التي كان فيها ، كما أن من تبعه من بني آدم - رغم أنهم من الطين خلقوا وأنهم أبناء أبيهم آدم الذي أسجد الله له الملائكة ، وكرمه بأنواع التكريم - لكن لما اتبعوا إبليس ، وتشبهوا به فِي صفاته صاروا شياطين ، وعبادًا للشياطين فاستحقوا مآل الشياطين وأحكامهم.وهذا الموضوع من أعظم ما يبين حقيقة الإيمان وأنه لا يكفي فيه المعرفة والتصديق حتى مع الإقرار الظاهر بل لابد أن يكون معه الانقياد والإذعان والخضوع لأمر الله سبحانه فإن إبليس لم يكذب بالأمر لا ظاهرًا ولا باطنًا بل قال فيما قال مقرًا بأمر الله: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء: 62] ومع ذلك فقد كفر بتركه الانقياد والخضوع القلبي لأمر الله ، ولم تزل معرفته لأمر الله له بل ظل عالمًا به كما دلت عليه الآيات