على طلب الوفاق بالصبر على إكراه النفس في صرفها عن مرادها وبالصلاة - نعوذ
بالله من الشيطان الرجيم - لقرب المصلي من ربه، ولأن خاصة الصلاة النهي عن
الفحشاء والمنكر والأمر بما جعلت الصلاة له ومن أجله، ولذلك وصى بها وحذر
من فوتها.
وفيما يذكر أنه من كلام عيسى - عليه السَّلام - عبد الله ونبيه:"يا معشر الحواريين، إني قد"
بطحت لكم الدنيا على بطنها، وأجلستكم على ظهرها، فلن ينازعكم فيها إلا
الملوك والشياطين، فأما الشياطين فاستعينوا عليهم بالصبر والصلاة، وأما الملوك
فاتركوا لهم دنياهم يتركوا لكم آخرتكم"."
وليُوطِن من رام تنفيذ هذا العهد على مقاساة أهوال، وخوض غمرات وعبور
لحجج، وخشونة طريق ووحشة انفراد، فعليه بالدعاء والابتهال والعزم على جهاد
النفس، والتضرع إلى القريب المجيب، ولذلك قال عز من قائل: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا
عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) .
الصبر يوهن كيد شيطان الطبع، وهو الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم،
وخاصة الصبر تشجيع على مخالفة الهوى، ومخالفة الشيطان القرين، وعد مخالفة
أسباب ما يجلب عليه الفضل خيله وَرَجِله من حال الغضب في حدة أو شهوة أو
هوى مطبق، قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشتد غضبه حتى يعرف في وجهه فيجليه بمعنًى
من الاقتداء والتسلي، كقوله مرة وقد أغضب؛"يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من"
هذا فصبر"."
ومرة كان - صلى الله عليه وسلم - يكظم غيظه كظمًا"ذلك بأن شيطان الطبع منه صلح، والشيطان"
القرين كان أسلم فانقطع يمد الفضل عند ذلك، وفي مثل هذا قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) . وحذَّر جدًّا من كيده مع كفر شيطان الطبع.
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) خلق
لأبينا آدم - عليه السلام - جميع ما في الجنان، وأسكنه إياها يأكل ويشرب ويتبوأ منها حيث
يشاء، ونهاه - عز وجل - عن الشجرة أن يأكل منها، وتأويل تلك الشجرة في موجودات الدنيا