جعل الكفر به والخلاف له عوضًا من النار التي أعدها لهم، وسببًا إلى دخولها
والخلود فيها، لأن ذلك هو يوم الخلود، هذا عهد من الله - جلَّ جلالُه - عهد به إلى عباده
منفصلاً من العهد الأول مقرون به بثارته ونذارته.
عبرة:
هذان عبدان من عباد الله - جلَّ جلالُه - ، أحدهما تاب إليه من ذنبه وأناب واعترف فنجا
من عقوبته، ثم أخرجه عن داره لذلك، وأبعده من جواره، والآخر أصرَّ على معصيته
فلعنه وأبلسه، ثم أخرجه عن ملكوته، وعزله عن عمالته، وحرم عليه طاعته، وحجر
عليه عصمته ورحمته، ولما أخرجهما قضى عليهما بالتناسل فملأ منهما الأرض
وعمر منهما الهواء، وضاقت عنهما الدنيا لصغرها فقدرهم آجالاً، وأخرجهم إلى
الوجود قرنًا بعد قرن في مدد متراخية، وأزمان متباينة يقبض بالموت ويبسط
بالإيجاد إلى أن يقضي فيهم أمره.
ويحصي منهم العدد الذي قدره، ويبلغ كل أجله الذي أجله، وينيله رزقه الذي له
يسره، ثم يحله المحل الذي سبق في علمه أن يحله، إذ قد أعد لهما قبل ذلك دارًا
فصلها على دارين، لا يقدر قدرهما سواه، ولا يبلغ كنه علمهما غيره خلقًا وأمرًا،
فكيف بمن أهلكه من القرون الماضية والأجيال الخالية؛ فكم قطع بذلك من رزق
ونسل؛ وكم أعدم على ذلك منهم من قول وعمل؛ سبحانه - جلَّ جلالُه - وله الحمد، كيف ينكر
منكر الإعادة بعد البداية، ويكذب مكذب بالدار الآخرة، بل كيف يصحو المصدق
بهذا من خوف مزعج أو يخلو من حزن مطلق، ما أعجب هذا الأمر من قبل ومن بعد
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(30) .
قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ...(45) .
طلب المعونة من مالكهما لأجل العجز عن القيام بالأمر، والعجز قد يكون عن عدم القوة على الفعل
كالمقعد عن المشي والأعمى عن الرؤية، وقد يكون عن عدم الاستطاعة للشغل
بغير المأمور به بدلاً منه، كالشغل بالتجارة عن طلب العلم وعن الطاعة بالمعصية،
وهذا يكون من أمر الشيطان وعمله وبتوسطه، فمن هنا وجب أن يستعان بالله - جلَّ جلالُه -