قالوا: وقد رُوِي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأمِّ حارثة لما قالت له: يا رسول الله، إنَّ حارثة قُتِلَ معك، فإن كان صار إلى الجنة صبرتُ واحتسبت، وإن كان صار إلى ما سوى ذلك رأيتَ ما أفعل، فقال لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"أو جنةٌ واحدةٌ هي؟!، إنما هي جِنانٌ كثيرة".
فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ لله جنَّاتٍ كثيرة؛ فلعلَّ آدم أسكنه الله جنةً من جناته ليست هي جنة الخلد.
قالوا: وقد جاء في بعض الأخبار أنَّ جنة آدم كانت بأرض الهند.
قالوا: وهذا وإن كان لا يصحِّحه رواةُ الأخبار ونقلة الآثار، فالذي تقبلُه الألبابُ ويشهدُ له ظاهرُ الكتاب أنَّ جنة آدم ليست جنةَ الخلد ولا دارَ البقاء، وكيف يجوزُ أن يكون اللهُ أسكنَ آدمَ جنةَ الخلد ليكون فيها من الخالدين، وهو القائل للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ؟!
وكيف أخبَر الملائكةَ أنه يريدُ أن يجعل في الأرض خليفة، ثم يُسْكِنُه دارَ الخلود، ودارُ الخلود لا يدخلُها إلا من يخلُد فيها، كما سُمِّيت بدار الخلود؟!
فقد سمَّاها الله بالأسماء التي تقدَّم ذِكْرُنا لها تسميةً مطلقةً لا خصوص فيها، فإذا قيل للجنة:"دار الخُلد"لم يَجُزْ أن يُنْقَض مسمَّى هذا الاسم بحال.
فهذا بعضُ ما احتجَّ به القائلون بهذا المذهب.
وعلى هذا، فإسكانُ آدمَ وذريته في هذه الجنة لا ينافي كونهم في دار الابتلاء والامتحان، وحينئذٍ فكانت تلك الوجوهُ والفوائدُ التي ذكرتموها ممكنةَ الحصول في الجنة.
فالجوابُ أن يقال: هذا فيه قولان للناس، ونحن نذكرُ القولين، واحتجاجَ الفريقين، ونبينُ ثبوتَ الوجوه التي ذكرناها وأمثالها على كلا القولين.
ونذكرُ أوَّلًا قول من قال: إنها جنةُ الخلد التي وَعَدَها الله المتقين، وما احتجُّوا به، وما نقضوا به حججَ من قال: إنها غيرها، ثمَّ نتبعُه مقالةَ الآخرين وما احتجُّوا به، وما أجابوا به عن حجج منازعيهم، من غير انتصابٍ لنصرةِ أحد القولين وإبطال الآخر؛ إذ ليس غرضُنا ذلك، وإنما الغرضُ ذكرُ بعض الحِكَم والمصالح المقتضية لإخراج آدمَ من الجنة، وإسكانه في الأرض في دار الابتلاء والامتحان.