ومما يدلُّ على أنَّ وسوستَه كانت مخاطبةً قولُ الله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} [طه: 120] الآية، فأخبر أنه قال له، ودلَّ ذلك على أنه إنما وسوسَ إليه مخاطبةً، لا أنه أوقَع ذلك في نفسه بلا مقاوَلة، فمن ادَّعى على الظاهر تأويلًا ولم يُقِم عليه دليلًا لم يجب قبولُ قوله.
وعلى أنَّ الوسوسة قد تكونُ كلامًا مسموعًا أو صوتًا قال رؤبة:
*وَسْوَسَ يدعو مُخْلِصًا ربَّ الفَلَق*
وقال الأعشى:
تَسْمَعُ للحَلْي وَسْواسًا إذا انصَرَفَتْ ... كما استعانَ بريحٍ عِشْرقٌ زَجِلُ
قالوا: وفي قول إبليس لهما: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 20] دليلٌ على مشاهدته لهما وللشجرة.
ولما كان آدمُ خارجًا من الجنة وغير ساكنٍ فيها قال الله: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22] ، ولم يقل:"عن هذه الشجرة"، كما قال له إبليس؛ لأنَّ آدم لم يكن حينئذٍ في الجنة ولا مشاهدًا للشجرة.
مع قوله عز وجل: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ؛ فقد أخبَر سبحانه خبرًا محكمًا غير مشتبهٍ أنه لا يصعدُ إليه إلا كلمٌ طيبٌ وعمل صالح، وهذا مما قدَّمنا ذكرَه، أنه لا يَلِجُ المقدَّسَ المطهَّر إلا مقدَّسٌ مطهَّرٌ طيِّب، ومعاذَ الله أن تكون وسوسةُ إبليسَ مقدَّسةً أو طاهرةً أو خيرًا، بل هي شرٌّ كلُّها، وظلمةٌ وخبثٌ ورجس. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وكما أنَّ أعمال الكافرين لا تَلِجُ القُدسَ الطاهرَ ولا تَصِلُ إليه؛ لأنها خبيثةٌ غيرُ طيبة، كذلك لا تَصِلُ- ولم تَصِل- وسوسةُ إبليس، ولا ولجت القُدس؛ قال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) } [المطففين: 7] .
وقد رُوِي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ آدم نامَ في جنته، وجنةُ الخلد لا نوم فيها بإجماع المسلمين؛ لأنَّ النومَ وفاة، وقد نطق به القرآن، والوفاةُ تقلُّب حال، ودارُ السَّلام مسلَّمةٌ من تقلُّب الأحوال، والنائمُ ميِّتٌ أو كالميِّت.