* وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه له الحمدُ المطلقُ الكاملُ الذي لا نهاية بعده، فكان ظهورُ الأسباب التي يُحْمَدُ عليها مِنْ مقتضى كونه محمودًا، وهي من لوازم حمده تعالى، وهي نوعان: فضلٌ، وعدل؛ إذ هو سبحانه المحمودُ على هذا وعلى هذا، فلا بدَّ من ظهور أسباب العدل واقتضائها لمسمَّياتها، ليترتَّب عليها كمالُ الحمد الذي هو أهلُه.
فكما أنه سبحانه محمودٌ على إحسانه وبرِّه، وفضله وثوابه، فهو محمودٌ على عدله وانتقامه وعقابه، إذ مَصْدَرُ ذلك كلِّه عن عزَّته وحكمته.
ولهذا ينبِّه سبحانه وتعالى على هذا كثيرًا، كما في سورة الشعراء، حيث يذكرُ في آخرِ كلِّ قصةٍ من قصص الرسل وأممهم: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9} [الشعراء: 8] ؛ فأخبر سبحانه أنَّ ذلك صادرٌ عن عزَّته المتضمِّنة كمالَ قدرته، وحكمته المتضمِّنة كمالَ علمه ووضعه الأشياءَ مواضعها اللائقة بها. فما وَضعَ نعمتَه وإنجاءه لرسله ولأتباعهم، ونقمتَه وإهلاكَه لأعدائهم، إلا في محلِّها اللائق بها؛ لكمال عزَّته وحكمته.
ولهذا قال سبحانه عقبَ إخباره عن قضائه بين أهل السَّعادة والشَّقاوة، ومصير كلٍّ منهم إلى ديارهم التي لا يليقُ بهم غيرُها، ولا تقتضي حكمتُه سواها: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] .
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه اقتضت حكمتُه وحمدُه أنْ فاوتَ بين عباده أعظمَ تفاوتٍ وأبينَه؛ ليشكره منهم من ظهرت عليه نعمتُه وفضلُه، ويعرفَ أنه قد حُبِيَ بالإنعام، وخُصَّ دونَ غيره بالإكرام.
ولو تساووا جميعُهم في النعمة والعافية لم يعرِف صاحبُ النعمة قدرَها، ولم يبذل شكرَها إذ لا يرى أحدًا إلا في مثل حاله.
ومن أقوى أسباب الشكر وأعظمها استخراجًا له من العبد: أن يرى غيرَه في ضدِّ حاله الذي هو عليها من الكمال والفلاح.
وفي الأثر المشهور: أنَّ الله سبحانه لما أرى آدمَ- عليه السلام- ذريتَه، وتفاوتَ مراتبهم، قال: يا ربِّ! هلَّا سوَّيتَ بين عبادك. قال:"إني أحبُّ أن أُشْكَر".